أحمد بن محمد ابن عربشاه
476
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ولا زال يهمهم ويغمغم ويهذرم « 1 » ويبرطم ، وهم مطرقون لا يحيرون جوابا ، ولا يملكون منه خطابا ، ثم ازداد حنقا وكاد أن يموت خنقا ، فاخترط السيف بيده اليسرى وهمز به على قمم « 2 » أولئك الأسرى ، وهم أن يجعل رقابهم قرابه « 3 » ، ويسقى من دمائهم نمل فرنده وذبابه « 4 » ، وهم على تلك الحال في الخزي والإذلال باذلوا أنفسهم ناكسو رؤوسهم . ثم تراجع وتماسك ، وملك نفسه قليلا أو تمالك ، فأغمد عن تشريقهم حسامه ، ولم يلق لأمره دبرة ولا قبلة أمامه ، فغلف غربه وشامه ، ثم نزل عن مركبه واستدعى على الشطرنج الكبير ليلعب به ، وكان عنده ممن فاق جنده شخص يدعى محمد قاوجين ، ذو مكان مكين ومقام أمين ، مقدم على كل الوزراء مبجل دون سائر الأمراء ، وافر الطول ، مقبول القول ، مسعود الرأي ، ميمون الفصل مرغوب الفضل ، محبوب الشكل ، فيتشفع الوزراء إليه وتراموا في حل هذا الإشكال عليه ، وقالوا : ساعدنا ولو بلفظة ، وراقبنا ولو بلحظة ، واعمل معنا بهذا المعنى وهو : ساعد بجاهك من يغشاك مفتقرا * فالجود بالجاه فوق الجود بالمال فأجابهم وألتزم أن يرده عما تأزم به وأزم « 5 » ، وراقب مجال المقال وراعى فرص المجال . وشرعت أفكار تيمور تغور في أمر القلعة وتفور ، وجعل يستضوى أضواءهم ، ويستورى آراءهم ، ولا يسع كلا منهم إلا القبول لما يستصوبه
--> ( 1 ) يصخب . ( 2 ) همز به : أشار به . قمم الأسرى : رؤوسهم . ( 3 ) أي يذبحهم ويجعلهم قربان يقدمه إلى الله . ( 4 ) الفرند : السيف وذباب السيف أي سنّه . وهو أحد جزء فيه ، وغل السيف : أي الوشى والزينة على مقبضه . ( 5 ) أي أصابته شدة وضيق .