أحمد بن محمد ابن عربشاه
472
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فاعلم أن هذا الملك ذو جناب منيع وقدر رفيع ، وبيان معانيه بديع ، عزيز المنال ، جامع لصفتي الجمال والجلال ، وقد اختار العزلة في رؤوس الجبال ، فلذلك طبعه لا يخلو من جساوة « 1 » ، وقلبه من قساوة ، وإن غذاءه من اللحوم ومن الحيوانات مشروبه ومطعومه ، مخاليبه كالأسل « 2 » ، ويلجأ إلى الله تعالى إذا نسر منقاره ونسل « 3 » ، وحقيقة أمره إن كنت عنه تسل : ممقر مرّ على أعدائه * وعلى الأدنين حلو كالعسل « 4 » فإذا التجأ إليه فقير ، أو أوى إليه ضعيف أو كسير ، أو قصده محتاج ، أو سلك إلى باب مرضاته منهاج ، فلا يمكن ألطف منه ولا أشفق ، ولا أقرب من عطفه مؤمليه ولا أرفق ، فهو كما قيل : بيض قطا يحضنه أجدل « 5 » ، وسبب ذلك أن ضميره المنير خال من المكر طاهر من التزوير ، لا يعرف ختلا ولا خديعة ولا خيانة ولا وضيعة ، ولا كذبا ولا قطيعة ، ولا في خاطره فساد ولا عنده سوء اعتقاد ، ولا يعرف غير الحق ولا يقول إلا الصدق ، وذلك لعبده عن مخالطة الناس ، وعزلته عن كل ذي وسواس وخناس ، فلقد اتفق العالم أن صحبة بني آدم سم قاتل ، وهم باتل « 6 » ، فإن دأبهم المكر والتلبيس والخداع والتدليس ، وحسبك قول شاعرهم في كشف ضمائرهم وشرح حقيقة سرائرهم : صن من الناس جانبا * كي يظنوك راهبا قلّب الناس كيف شئت * تجدهم عقاربا
--> ( 1 ) عداوة ، وبطش . ( 2 ) الأسل : الرماح وكل حديد رهيف من سيف وسكين . ( 3 ) أشهر منقاره للعض والقرم . ( 4 ) الأدنين : المفرد الداني أي المقربين . ( 5 ) الصقر . ( 6 ) قاطع مهلك .