أحمد بن محمد ابن عربشاه

470

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

المصائب والمصايد ، حطمته عساكر الملك المنصورة ، وملأت الأقطار الجنود الموفورة ، فلا يخلو منها مكان قدم إلا وقد غص بمواطئ تلك الأمم ، فتذهب مناقرة العين ، وتدهك غلطا تحت الرجلين ، وهذا هو البلاء الطام والمصاب العام ، ولا بد منه في كل عام ، فكأنه أيها النبيه النبيل في شأننا قد قيل : أيا ابن آدم لا يغررك عافية * عليك شاملة فالعمر ممدود ما أنت إلا كزرع عند خضرته * بكل شيء من الآفات مقصود فإن سلمت من الآفات أجمعها * فأنت عند كمال الأمر محصود وضاق منا لهذا العطن فلم أر أوفق من مفارقة السكن ، والمهاجرة من الوطن ، فعرضت على القرينة هذه الحال ، وأشرت عليها بالارتحال ، وقلت لها : المرء من حيث يوجد لا من حيث يولد ، فأبت وكبت وشاقت في ذلك ونبت ، فلا زلنا نتحاور ونتشاور ، ويرمى كل منا سهم رأيه إذ يساور ، حتى لانت أخلاقها الصعبة بعد أن ثلت ما في الجعبة « 1 » ، ثم أعطت القوس باريها وسلمت الدار بانيها ، وأدركت من ملامح مقاصدى معانيها وسمحت بالانتقال من تلك البلاد ، وسلمت إلى يد تدبيري زمام الانقياد ، فرحلنا من شقة بعيدة وقاسينا شدة شديدة وقصدنا هذا الحرم ، إذ رأيناه مشتملا على اللطف والكرم ، وقطعنا شباك مصايد وخلصنا من أشراك كل صائد ، وفطمنا أنفسنا عن حبات الطمع ، وتجرعنا من كاسات الجزع وأقداح الفزع جرعا بعد جرع ، فوصلنا بحمد الله إلى جنابك الأمين ، وبشرنا مبشر الإقبال أنك لكل خير ضمين ، فحمدنا عند صباح الفلاح السرى ، وأنشدنا لسان السعد مبشرا : وجدت من الدنيا كريما نؤمّه * لدفع ملمّ أو لنيل جزيل وإن لم يكن بيننا سابقة خدمة ؛ لكن تعارف أرواحنا قدمة ، مع أن كرم ذاتك الجميلة وما جبلت عليه من صفات نبيلة ؛ يغنى قاصد صدقاتك عن

--> ( 1 ) الكنانة .