أحمد بن محمد ابن عربشاه
469
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
عليه بكليته وزاد في إكرامه وتحيته ، وسأله عن محتده وجرثومه « 1 » ، وما سبب تجشمه في قدومه ، ومن أين حل ركابه وما قصده وطلابه ، فأنشده بديها ولم يقل إيها « 2 » ، مفصحا معلنا مستعينا مضمنا : لقد قصّ ريشى الدهر عن كل مطلب * وألهمني سعدى بأنك رائش ففي سمرى مدّ كهجرك مفرط * وفي قصّتى طول كصدّك فاحش ثم قال : اعلم أيها الرئيس المحتشم النفيس ، أن مولدي في جبل من جبال أذربيجان ، في مكان يضاهى الجنان ويباهى روضة رضوان ، أنزه من عنصر الشباب وأفكه من معاقرة الأتراب ، وأرفه من منادمة الأحباب على رقيق الشراب ، نشأت فيه مع قرينة جميلة أمينة ، فقضيت فيه غض العمر وزجيت فيه بض الدهر ، قانعا بما تيسر من الرزق ، فارغا عما في أيدي الخلق ، متمسكا بذيل العزلة أعد الانفراد نعمة جزلة مكررا درس ، ثلاثة تجم النفس : القرينة الصالحة ، والجار المؤنس ، والكفاف من القوت ، ومما كنت أنشدت وفي مبدأ أمرى أرشدت : وحسب الفتى قوت وخلّ وزوجة * ليرتاح في الدنيا ويكتسب الأخرى وكنت من الدهر على هذا اقتصرت ، ومن لذيذ العيش على القناعة اختصرت ، ولكن كان مأوانا ومصيفنا ومشتانا محل الحوادث وممر العوائث والعوابث ، ومعبر المصائب الصيد ومورد المواطئ عمرو وزيد ، فكنا كلما ولد لنا مولود وتجدد لنا بالبهجة والابتهاج عهود ، حصل للعين قرة وللروح مسرة ، نقول هذا يبقى ذكرنا بعدنا ، ويحيى آثارنا عند حلولنا لحدنا ، فلم يكن أسرع من هجوم خاطف أو هبوب ريح نكبة عاصف ، يخطفه من بيننا ويجذبه من قبلنا وعيننا « 3 » ، فإن سلم من تلك المكايد وتخلص من سهم
--> ( 1 ) أي سأله عن أصله وفصله . ( 2 ) إيها : اسم فعل يدل على الاستزادة . ( 3 ) أي من أمامنا ومن بين أيدينا .