أحمد بن محمد ابن عربشاه
468
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وأعلى مقاماتى وأسنى وظائفى * وأحسن أسمائي الذي أنت ترضاه فقال الذكر : ما أحسن عقد هذه الدرر ، لقد أفصحت إذ نصحت ، وزينت بما بينت ، فجزاك الله خيرا وكفاك ضيرا فحقيق على أن أقتدى بآثارك وأهتدى بأنوارك ، فما أرجح ميزانك وأغزر حسنك وإحسانك ، لقد جمعت بين فصاحة النقل ، ورجاحة العقل ، ومزجت روح الحصافة ببدن الظرافة ، وجلوت صورة النصيحة في خلعة اللطافة . ثم إنهما توكلا على العزيز الوهاب ، وقصدا حضرة ملك الطير العقاب ، فواصلا السير بالسرى ، واستبدلا السهر بالكرى « 1 » ، ولم يزالا في سير مجد وطلب مكد ، بين الإدلاج والدلجة مقارن حتى وصلا إلى جبل قارن ، وكان عند العقاب أحد المقربين من الحجاب ، يؤيؤ « 2 » ؛ نقى الجؤجؤ « 3 » ، تقى البؤبؤ « 4 » ، أحسن منظرا من اللؤلؤ ، صورته مسعودة ، وسيرته محمودة ، وهو بين أولئك الطير مشكور الأحوال مشهور الخير ، وفيه من المعرفة والدين ، والعقل الرصين ، والرأي المتين ما يصلح أن يكون به مقتدى السلاطين ، وعنده من الوقوف على دقاق الأمور ما فاق به الجمهور ، وساد به على سائر الطيور . وكان صيته قد اشتهر حتى ملأ البدو والحضر ، فترك النجدي بنت السعدي في مكان ، وقصد اليؤيؤ ليعرض عليه ماله من شان ، فوصل إلى جنابه وأتى بيت مقصده من بابه ، حتى دخل عليه وقبل يديه ، وتمثل لديه فتوجه اليؤيؤ إليه ، وأشار بتقريبه منه ، وأزال دواعي الوحشة عنه ، وأقبل
--> ( 1 ) النوم . ( 2 ) اليؤيؤ : طير من الطيور الجوارح . ( 3 ) الصدر . ( 4 ) البؤبؤ : حدقة العين ، أي أنه عفيف النظر .