أحمد بن محمد ابن عربشاه
461
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فبينما هما في هذا الكلام إذ لاح أرنب في بعض الآكام ، فاطلق العنان وراء الأرنب ، وذهب وراءها كرأى الزنادقة « 1 » كل مذهب ، فوجد فرسه قوية النهضة سريعة الركضة ، فرأى أنه أضاع حزمه في عدم أخذه الرزمة ، وما ضره لو أخذها وساق وذهب إلى بعض الآفاق ، وأقام بها أوده وانتفع بها وولده ، وترك الماشي بلا شيء ، ثم رجع بهذه النية الضارة ليحمل عن الماشي الكارة ، وقال له : أعطني هذا الحمل المتعب ، لأريحك من حمله في هذا المذهب ، وابلع ريقك واقطع طريقك ، فقال له : قد علمت بتلك النية وما أضمرت من بلية ، فاتركنى بحالي فلى حاجة بمالي ، ثم أن النمس كسر الزاغ وحصل له بأكله الفراغ . وإنما أوردت هذا المثال ؛ لتعلم يا فحل الرجال ، أن العقاب لا يؤمن ولا يقطع فيه بالظن الحسن ، ولا يركن إلى خطفة بوارقه ، بمخاليب صواقعه « 2 » وصواعقه ، ولا إلى غوائله وبوائقه ، وهذا إن سلمت شقّة حياتنا من تشقيق غواشيه ، وتخلص برد وجودنا من تمزيق حواشيه ، وإن بينك وبين هذا المراد خرط القتاد « 3 » ، والموانع التي هي دون سعاد « 4 » ، فما الوصول إلى ملك الطير قريب التناول في السير ، ولا سهل المأخذ ولا سريع المنفذ ، وأين الحجل من العقاب ذاك في نعائم النعيم وهذا في عقاب العقاب ، فتدبر عاقبة هذا الأمر وتأمل في الفرق بين التمر والجمر ، والظاهر عندي وما أدى إليه فكرى وجهدي ، أن عاقبة هذه الأمور ليس إلا القطوع والقصور ، دون الوصول إلى الملك في القصور .
--> ( 1 ) الزنادقة : فرق متعددة الأهواء لا تؤمن بالآخرة والربوبية ، وتبطن الكفر وتظهر الإيمان . ( 2 ) طائر ، وهو الصفارية . ( 3 ) خرط القتاد : شجر صلب له شوك كالإبر . أي أنه لا ينال إلا بمشقة عظيمة وأن خرط القتاد أسهل منه . ( 4 ) السرور والسعادة .