أحمد بن محمد ابن عربشاه
447
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
قال أبو صابر : يا أخي نظرك قاصر وفكرك غير باصر ، لا تراقب ما بين يديك ، ولا تنظر ما أمامك ألك أم عليك ، فإذا أدهمك ما دهاك عجز عنه نهاك « 1 » ، فلا تشعر إلا وقد وقعت ، وانخرق ما رقعت ، فلا يمكنك التدارك والتّلاف ، إلا وأنت رهين التّلاف . وأما أنا فأراقب ما يصير من العواقب ، وأنظر أمامى الطريق على بعد ، فأميز المسلوك من قبل ومن بعد ، فلا أصل إلى صعب إلا وقد أذللته ، ولا إلى وعر إلا وقد سهلته ، ولا إلى وهدة إلا وقد عرفت طريقها ، ولا إلى عقبة إلا وقد كشفت واسعها ومضيقها ، فأستعد للأمر قبل نزوله ، وأتأهب للخطب قبل حلوله ، واحتال لقطعه قبل وصوله ، وأحله قبل أن يعقد وأقيمه دون أن يقعد ، وهذه قاعدة للفقهاء ، وأصل كبير للحكماء من العلماء ، أنهم قالوا : إن الدفع أهون من الرفع ، ومن كلام الألباء ، وأصول حذاق الأطباء قوله : الطّب حفظ صحة برء مرض * من سبب في بدن إذا عرض وإنما أوردت هذا المثل عن الحمار والجمل ؛ لتعلمى يا ست الحجل أنه لا بدّ لنا من أخذ الأهبة قبل النكبة ، فما كل مره تسلم الجرة ، وقد قرب وقت وضع البيض ، وبعده يدهمنا من سيل العسكر الفيض ، فلا بد من إعمال الفكر المصيب ، في وجه الخلاص من هذا الأمر العصيب ، كما قيل : مهد لنفسك قبل النوم مضطجعا . قالت غرغرة الحكيمة المدبرة : جميع هذه الأخبار لا تخلو عن دقيق الأنظار وتحقيق مصيب الأفكار ، وغامض معاني الأسرار ، وكل عاقل يقبله ويقبل يديه ، ويمتثله ويقبل عليه ، وكل فكر مصيب يجثو للاقتباس بين يديه ،
--> ( 1 ) عقلك .