أحمد بن محمد ابن عربشاه

444

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

قال الله تعالى وكلمته العليا الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 46 ] وهذا صريح بالشهادة على ما نقلته وجلوت صدأ قلبك بتقريره وصقلته ، فلا تكونن لاه ولا تعلقن قلبك بغير الله ، قولا واعتقادا وعملا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا [ الكهف : 46 ] . واجهد يا حبيب في إصلاح قلبك الكليم ، واصغ لما قاله الحكيم الحليم متحرزا من نكاية العذاب الأليم ، عاملا بما يرضى السميع العليم يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء : 88 ] . وإذا عملت هذا وحققته وحررته وصدقته ، فاعلم أن الأولى بحالنا والأحسن للنظر في مآلنا أن نعد ما نحن فيه من جملة النعم ، وأن هذا الذي قسم لنا من القسم في القدم ، ولا ننقل عن دائرة الرضا والتسليم قدما عن قدم ، وننظر ما يتولد من حوادث الزمان ، ولا نرخى في ميدان الطمع العنان ، ونعرض على جامح الخاطر ما قال الشاعر : كم نار بادية شبّت لغير قوىّ * على بقاع وكم نور بلا ثمر هوّن عليك أمورا أنت تنكرها * فالدّهر يأتي بأنواع من العبر قال النجدي : جميع هذا المقول ، صادر من موارد العقول ، موافق لما ورد به المنقول ، لقد غصت في بحر الفطنة على جواهر الحكمة ، فما تركت في ميدان المسائل مقالا لقائل ، ولا مجالا لجائل ، ولكن لا ينبغي للعاقل أن يغفل عن حوادث الدهر ، ولا يسند ظهره لكواذب العصر ، فإن طوارق الآفات وخوارق العادات ، ومحن الزمان ، وفتن الدوران ، محتجبة وراء ستار ومستورة في أنواع أطوار ، والفلك الدوار له في علم الأدوار ، لعيبات أبكار يبرزها للنظار ، فتعلب بالأفكار ، ويذهب في سنا برق مخارقها « 1 » أبصار الأبصار ، ويخطئ في حركاتها الرأي المصيب ، ويدهش في دجى

--> ( 1 ) الريح إذا اشتدت ومعها برق ورعد .