أحمد بن محمد ابن عربشاه

442

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وأما وقائع الأولاد وحصول الأنكاد ، وما يقع منهم بسببهم في كل أوان ، فنحسبها إحدى ما يحدث لنا من نوائب الزمان ، ونحن بل كل المخلوقات عرضة للنوائب والآفات ، وطعمة لسنابك المقدور ، ونهبة لحوادث الدهور ، ولو انتقلنا عن وطننا وتحولنا عن سكننا ، وبعدنا عن هذا الجانب ونزعنا عن الأهل والأقارب ، وجاورنا الأباعد والأجانب ، لا يطيب لنا مقام وتتكدر أوقاتنا على مر الأيام ، فلا نزال بين تذكر الوطن المألوف ، وتحنن إلى الصاحب المعروف ، فيسهل عند هذه الأنكال مفارقة الأطفال . ثم اعلم أيها الصاحب الأعظم ، أنه لو تيسر لنا مع الانتقال انتظام الأمور واستقامة الأحوال ، وحفظت الأولاد وزالت الأنكاد وصفا الوقت ، وزال المقت ، فإن الخاطر يشتغل ونار القلب بسببهم تشتعل ، فإنه من حين وجود الولد ، يتقيد بتعهده القلب والجسد ، وتصرف الهمة إلى القيام بمصالح معاشه ، إلى حين ترعرعه وارتياشه ، ويزداد القلب تعلقا بمحبته ، ويتقيد الخاطر بالالتفات إلى عمل مصلحته ، ويتضاعف ذلك يوما فيوما وشهرا فشهرا وعاما فعاما ، فإن نابه والعياذ بالله نحو ألم ، أو أصابه ضر أو سقم ، التهبت عليه الجوارح وانقلبت الهموم على القلب والجوانح ، فإن آل ذلك إلى موت واستحال وجوده إلى عدم وفوت ، فهو المصيبة العظمى والطامة الكبرى ، وإن سلم من هذه العاهات وبلغ سن الإدراك سالما من الآفات ، ونجا إلى بر الشباب من بحر المخافات ، ازدادت كلفته وتضاعفت مئونته ، وركب والداه في ذلك كل صعب وذلول ، وذهبا من مسالك الكد والكدح في كل عرض وطول ، وتحملا أنواع المشاق والآثام ، وارتكبا فيما اكتسبا أصنافا من الحلال والحرام ، وهذا إذا كان مطيعا ولأوامرهما منقادا سميعا ، وأما إذا ركب جموح العقوق ونسي ما لهما عليه من حقوق ، فهي مصيبة أخرى ، وداهية كبرى ، ويصير كما قيل :