أحمد بن محمد ابن عربشاه
441
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
إني لآمن من عدو عاقل * وأخاف خلا يعتريه جنون والعقل فنّ واحد وطريقه * أدرى وأرصد والجنون فنون ولهذا قيل : معاداة العاقل خير من مصافاة الجاهل . ثم قالت غرغرة « 1 » في أثناء هذه القرقرة « 2 » : وأما ما ذكرت من البيان من مفارقة الأوطان وترك هذا المكان ، أما سمعت حديث أشرف جنس الإنسان : « إن حب الوطن من الإيمان » « 3 » . وقد ألفنا وطننا وحبه ، وقلع أصول محبته من قلوبنا صعبة ، وهو في معزل عن طرق الجوارح ، ومكمن عن السوانح والبوارح ، وإنما تعرض لأولادنا تلك الآفة ، من تراكم العساكر المصافة ، وما يحصل من إقدامها من كثافة ، وأنا أخاف إن انتقلنا من هذا الوطن ، يخرج من أيدينا هذا السكن ، ولا نحصل على مأوى يليق ، أو لا توافقنا الغربة ، أو يمنع مانع في الطريق ، فنقصد الربح فيذهب رأس المال فنخسر ما في أيدينا في الحال ، ولا يحصل المأمول في الاستقبال ، وكيف وهو مسقط رأسنا ومحل أنسنا وأناسنا ، فالأولى بنا الرضا والانقياد لأوامر القضا ، وملازمة الوطن القديم والسكون تحت تقدير العزيز العليم ، وقد قيل : إنما يشفى العليل إذا ترك مشتهيات نفسه ، وقيد متمنياته في قيد حبسه ، ولا بد للمريد من ترك المراد ، وللقانع من قطع النظر عن الازدياد ، والحرية في رفض الشهوات ، وكل ما هو آت آت .
--> ( 1 ) غرغرة : أنثى الحجل كما سماها في أول الباب . ( 2 ) القرقرة : الضحك إذا استغرب فيه . ( 3 ) الحديث ذكره العجلوني في كشف الخفا ( 1 / 345 ) وفيه قال الصنعاني : موضوع ، وقال في المقاصد : لم أقف عليه ، ومعناه صحيح ، ورد القارى قوله ومعناه صحيح بأنه عجيب ، وقال : إذ لا تلازم بين حب الوطن وبين الإيمان ، قال : ورد أيضا بقوله تعالى وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ . . . الآية . فإنها دلت على حبهم وطنهم ، مع عدم تلبسهم بالإيمان . وإنما فيه أن حب الوطن لا ينافي الإيمان .