أحمد بن محمد ابن عربشاه
435
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
من المأكول ، فتلقته بالترحاب ، وأخذا في لذيذ الخطاب ، فما استقر به القرار حتى قرع قارع باب الدار ، فظنته زوجها وحققته بوجهها ، فنهض خائفا وتحير راجفا ، وطلب مكانا يخفيه وكنّا يأويه ، فلم يكن في دارها مخباة زوارها سوى طقيسى لطيفة يصعد إليها من سقيفة ، فأرشدته إليها فرقى عليها ، وبادرت إلى الإتحاف ، فإذا هو حريف صراف ، ففتحت الأغلاق وتعانقا تعانق المشتاق ، فدخل بهيئة زهراء بلباس أخضر وعمامة خضراء ، ومعه من الحلوى مجمع ومن الزجاج « 1 » أربع ، فجلسا يتذاكران الحوادث ، إذ طرق الباب ثالث . فقالت : هبط أوجى « 2 » وجاء زوجي ، فوثب في رجفة كأنه ورقة سعفة ، فسأل عن مخباه وستر يغشاه ، فأرشدته ربة الكريسى « 3 » إلى طريق الطقيسى ، فصعد اللاحق ولحق السابق ، وبادرت الرتاج ربة التاج ، وأم الأزواج ، فإذا هو أحد الظرفاء وثالث الحرفاء ، رجل زيات ، ومعه مجمع سكر نبات ، فتلقته بالتكريم وأجابته بالتسليم ، فدخل بثوب أصفر وشاش معصفر ، فشرعا في الملاعبة والملاطفة والمداعبة ، فدق الباب رابع الأصحاب ، فبادر الزيات الفرار وطلب مختفى للقرار ، فدلته في المفر إلى المعهود المقر ، فصعد إليه ولحق بصاحبيه . وتوجهت إلى الباب فإذا هو أحد الأحباب وهو رجل قصّاب « 4 » ، وعليه ثياب سود وخفه المعهود ، وعلى رأسه مئزر ثمين « 5 » وبيده خروف سمين ، فقالت : أهلا وسهلا ، وأرفع محلا بالحبيب النجيب ، والبعيد القريب ، فدخلا واشتغلا بالخطاب والتهيا عن رتاج الباب .
--> ( 1 ) الزجاج : أي زجاجات الخمر . ( 2 ) أوجى : شرفى ، والمعنى : أنني سوف أفضح . ( 3 ) صاحبة البيت . ( 4 ) القصاب : الجزار . ( 5 ) عمامة قيمة .