أحمد بن محمد ابن عربشاه
433
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ولا من يحيا نشر آثارنا إذا طوى الموت بساط أعمارنا ، وقد قضينا العمر في الإنكاد بفراق الأولاد ، ثم بعد الحياة ينمحى اسمنا ، ويندرس بالكلية رسمنا ، فلا حياة هنية ولا أخرى رضية ، وأي هناء مع فراق قرة العين ، خصوصا على وجه المذلة والشين ، وما لنا نظير في هذا الدهر المبير ، إلا من جمع المال من حلّه وغير حلّه وتركه بعد الكد البليغ ، والحرص إلى غير أهله فيصير كما قيل : تودّيه مذموما إلى غير حامد * فيأكله عفوا وأنت دفين ولا طاقة لنا في دفع جيش العقاب ، ولا حيلة إلى الخلاص من عقاب هذا العقاب ، فذهب أكثر العمر في هذا الويل ، وأشبهنا النائم على طريق السيل ، وإن غفلنا عن أنفسنا ربما اجتاحونا ، وطرحونا إلى مهلكة تدبير علينا من العدم طاحونا ، فالرأي عندي أن نترك هذا الوطن ونرحل إلى مكان لا نرى فيه هذه المحن فإنه لم يبق لنا طاقة على فراق الولد ، ولا قلب يحتمل هذا الحزن والنكد : ذاب قلبي بين دمع وضرم * فارحمونى أنا من لحم ودم وذاك لأن المرء يحيا بلا رجل ويد ، ولا تلقاه يحيا بلا كبد . قالت : لقد أعربت عما في فكرى ، وشرحت ما كان يجول في صدري ، وهذه محنة قد أعياني في دائها الدواء ، وبلاء عمنا ، فكلنا فيه سواء : المرء يحيا بلا ساق ولا عصد * ولا يعيش بلا قلب ولا كبد بي مثل ما بك يا حمامة فاندبى * ولم يعرف حرارة ما أعانى سوى قلب كواه ما كوانى وأنا لم أخل قط في وقت ، من هذا الفكر الذي أوجبه الهم والمقت ، واعلم أن سهام آراء العقلاء ونبال أفكار ذوى النظر من الحكماء ، إنما تصدر من قوس واحدة ، وتتوجه إلى غرض طريقته غير متعددة ، وقال العقلاء ،