أحمد بن محمد ابن عربشاه

426

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

مكتومه ، فلما تحقق الليث ما في هذا الأمر من صلاح وعيث ومن هو الصالح ، من الدب والجمل والطالح ، أرسل إلى الغراب ، وعرض عليه هذا الأمر العجاب ، وطلب منه الإرشاد ، إلى هدم ما بناه الدب من الإيقاع وشاد . فقال : الرأي عندي أن تجمع العساكر ، وتنادى للبادي والحاضر ، ويحضر الدب والجمل ، ويعرض على الجميع هذا العمل ، فإذا ظهر الحق وانكشف سجاف الباطل « 1 » عن جبين الصدق ، وتبين الظالم من المظلوم وتعين الصحيح من المثلوم « 2 » ، يرى رأيك السعيد ما يقتضيه ويسلك ما يأمر به ويرتضيه ، ويجرى على كل منهما ما يحكم بتنفيذه ويمضيه ، بحيث لا ينتطح في ذلك عنزان ، ولا يختلف عليك فيه اثنان . فلما كان ثاني يوم أمر الأسد بجمع القوم ، وإحضار الجمل البرى والدب المفترى ، فحضر الكبير والصغير واجتمع الأمير والوزير ، ثم علا الملك على السرير ، وأثنى على الله العلى الكبير ، وصلى على البشير النذير الشاهد السراج المنير ، ثم ذكر ما أهمه من هذه القضية المغمة وذكر فضل هذه وما لها من رقة وجلالة ، وأنها لا تجتمع على ضلالة ؛ ثم قال : ما تقولون في رفيقين شفيقين صديقين لم يكن بينهما سبب مكالحة ، ولا موجب منازعة ولا مجاملة ، سوى المحبة المليحة والممالحة والمودة الصافية الصالحة ، يبيتان في فراش ويستعينان على حسن المعاش ، حسد أحدهما رفيقه وخان من غير سبب صديقه ، وسعى في إراقة دمه وعدم وجوده بوجود عدمه ، فما ذا يجب على هذا الحاسد المنافق في عمله الفاسد ، الطالب ترويج باطله الكاسد ، وقصده ذلك البرى الصالح الغافل السرى ، والسعي به إلى الحكام وإلقائهم بسببه في الآثام ، وارتكاب هذه الجرائم وتحمل مثل هذه

--> ( 1 ) سجاف : ستر . ( 2 ) الفاسد .