أحمد بن محمد ابن عربشاه

425

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

في زوايا الخمول ، أتحرز من فضلات الفضول ، لا لصحبة الملوك لي صورة جميلة ، ولا في طريقة السلوك سيرة نبيلة ، لا أمينة ولا ثقة ، وأصدق أسمائي الفويسقة ، فكيف أصير مصدقة ، وقد أباح سيد العرب والعجم ، معدن اللطف والكرم ، والمبعوث بمكارم الأخلاق والشيم ، صلى الله عليه وسلم قتلى في الحلّ والحرم ، فلو طلبت مصاحبة من فوقى لخرجت عن دائرة طوقى ، وصيرت نفسي ضحكة للناظرين ، وهزأة للساخرين ، خصوصا ملك الأسود ، وسلطان الوحوش من النمور والفهود ، ورحم الله امرأ عرف قدره ، ولم يتعد طوره ، ومن أعجب العجب أن يجنى من الشوك العنب ، ولو فعلت ذلك لكنت كقرد حالك ، ذميم هالك ، ادعى رئاسة المماليك ، ومن أحسن الأمثال ما يقال إن السلطان للأنام بمنزلة الحمام ، البعيد عنه يطلب قربه والداخل فيه يشكو كربه ، فالأليق بحالي أن لا أشغل بالى الخالي ، بما لا يليق بي ولا بأمثالى وحيث أشرت على بأداء النصيحة ، وبيان الحالة الفاسدة من الصحيحة ، طلبا لمرضاة الملك وصونا لخاطره عن الأمر المشتبه المشتبك ، والفكر المريب المرتبك ، فأنا أمتثل مرسومك وأودع ذلك معلومك بشرط أن لا تذكرنى بشفة ، ولا تشير إلى اسمى بنكرة ولا معرفة ، فعاهدها على ما اشترطت فمدت لسان القول وبسطت . ثم ذكرت ما جرى بين الدب والجمل من فصول ، وقررت براءة ساحة الجمل بالمعقول والمنقول . فلما اتضح لأبى الحصين السجان نزاهة عرض الجمل ، وأن الدب هو الذي أغراه على قصد الأسد وحمل ، وتحقق ذلك بالبرهان القاطع والدليل الساطع ؛ توجه إلى حضرة الأسد ، وأخبره بما صلح من الأمر وما فسد ، وأنه إنما تأخر عن خدمة مخدومه ، ليصل إلى ما في جيب الغيب من