أحمد بن محمد ابن عربشاه
408
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فقال الجمل : اعلم أيها الرفيق الصديق الشفيق ، إن هذا الملك آوانا وأكرم مثوانا ، ولم نشاهد منه سوء ولا من ظلمة باطنه آنسنا ضوء ، ولو قصد أذانا ما وجد دافعا ولا ممانعا ، وقد علمنا أنه ترك الأذى وكف عن الشر والبذا ، تعففا لا تخوفا وتكرما لا تكلفا ، واختيار لا اضطرار ، وجبرا لكسرنا لا إجبارا ؛ وأما أنا على الخصوص فلم أر منه إلا الجميل ، والفضل الجزيل والإحسان العريض الطويل ، فلأي شيء أسرع في أذى نفسي وأكدر صافي حدسى ، ولم يظهر لي منه أمارة لا بمقتض ولا بدلالة ولا بإشارة ؛ فضلا عن سباق أو سياق بعبارة ، وأنا لو مت كمدا ما قصدته بأذى ولا رديته برداء ردى ، والصوفي ابن الوقت لا يتقيد بنكد ولا مقت ، فإن قصدني بعد ذلك بشر أو تعرض لي بهلاك وضر ، لا يسعني معه إلا التفويض والتسليم والتوكل على العزيز العليم ، مع أنى لا أقدر على مقاومته ولا قوة لي في دفع مصادمته ، ولا طاقة لكسر أنيابه ومخاليبه ، ولا خلاص من أشراك أساليبه ، غير أنى وإن كنت منسوبا إلى التغفل ، لا أدع من يدي ذيل التوكل ، فبالتفويض يحصل النجاح ، وبالتوكل يظفر بالفلاح ، كما جرى لذلك الفلاح مع الذئب والشجاع حال التوكل على الله تعالى والانقطاع ، فسأل أبو سلمة إيضاح هذه الكلمة . [ 72 ] [ الذئب والفلاح : ] قال أبو صابر : بلغني من أحد الأكابر أن شخصا فلاحا توجه إلى ضرورة صباحا ، من غير رفيق ولا حامل سلاحا ، فبينما هو في البيداء سائر صادفه ذئب داعر ، خاتل خاتر ، فقصده ليكسره ففر وصعد إلى شجرة ، فترصد نزوله وانتظره تحتها ليغوله ، فانعصر ، وعن ضرورته انحصر ، وبينما هو في تلك البلية وقعت عينه على حية ردية ، ذات قرون صاعدة وهي على بعض الفروع راقدة ، فازداد همه وأحاط به لو همه غمه ، فاستمر بين بليتين وانحصر في ديوان داهيتين دهيّتين ، فلم ير أوفق من التوكل