أحمد بن محمد ابن عربشاه
405
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وهذه المرة الثالثة لا تكون يمينها حانثة ، ولا عهودها ناكثة ، وأشهد الله وكفى به شهيدا أنى بعد لا أنقض لك عهودا ، ولا أحل مما بيننا عقودا ، فقالت : لا أخبرك بشئ إلا أن تعهد إلى أن تعطيني جميع ما تعطى ، وتكف عما وقع منك من الخطا ، فسمع مقالها وأجاب سؤالها ، فقالت : رأى الملك في منامه كأن الجو أمطر من غمامه ما ملأ الفضاء من خرافه وأغنامه ، وتعبير هذا المنام : أنه يكون في هذا العام من الخيرات والأنعام ما يشمل الخاص والعام ، فتطيب الأوداء وتصالح الأعداء ، وتطيع العصاة ، وتذعن البغاة ، ويوافق المخالف ويكثر المحب والمؤالف ، فاحفظ ما قلت لك فقد حللت مشكلك . فتوجه بصدر منشرح وخاطر مطمئن فرح ، وقص المنام وعبر فيه من الأحلام ، فطار الملك بالفرح وتم سروره وانشرح ، وأمر بالجوائز فصبت عليه ، وبالأموال فانهالت إليه ، فنعم بتلك العطية والخلع السنية . وقصد وكر الحية ، ثم وقف وناداها وقدم إليها كل ذلك وأعطاها ، وشكر لها إحسانها وتحمل جميلها وامتنانها ، فقالت له الحية : اعلم يا أبلم « 1 » ، إنه لا عتب عليك ولا ملام ، فيما جنيته أولا من الآثام ، ولا ما ارتكبته من العداوة والمين « 2 » في العامين الأولين ، ولا فضل لك في هذه السنة على ما فعلته من الحسنة ، فإن ذينك العامين ، كانا مشتملين على قران النحسين ، فكان مقتضى حالهما فساد الزمان والعداوة بين الأصدقاء والإخوان ، ووقوع البغضاء والشرور والحنث « 3 » والخلف وقول الزور ، فجريت على مقتضاهما حسب مرتضاهما ، والناس في طباعهم وأيامهم أشبه بزمانهم منهم بآبائهم ،
--> ( 1 ) قبيح . ( 2 ) الكذب والخداع . ( 3 ) الكذب .