أحمد بن محمد ابن عربشاه

399

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

يضرب في ذلك أخماس الأسداس ، واحتوشه في قضيته لسوء طويته القلق والوسواس ، فلم ير أوفق من إفساد صورته وإظهار سوء سريرته ، فيهلكه ويكيده ويفتنه ويبيده ، فيصل منه إلى ما يريده ويثمر بمكره الحسد ، ويصلح من شرهه ما فسد ، ويروج منه ما كسد ، فأدى فكره إلى أن يغرى به الأسد فاختلى بالجمل وابتدأ بالعمل . وقال له : لي معك كلام على كتمه منك ألام ، ولكنك لست موضعا للسر لأنك لا تعرف هرا من بر « 1 » ، وأنت ساذج ساكن سليم الفكر والباطن ، وقد قيل : الحماقة في الطويل ، ولولا وفور شفقتى وحنوى عليك ومودتي ما فهت لك بكلمة ، ولتركتك من التيه في ظلمة ، وقالت الحكماء ذوو المعارف لا تفش سرك إلى طوائف منها سليم الفطرة ، ومنها مدمن الخمرة ، ومنها الكثير الكلام ومنها المرأة والغلام ، فإنهم ليسوا محل الأسرار وأنهم يغشونها بلا اختيار ، وقد قيل : كم انسان أهلكه اللسان ، وكم حرف أدى إلى حتف . قال الجمل وقد أثر فيه مكره ودخل : يا أخي أنا أتحقق شفقتك ، وصدقك وصداقتك ، وأعرف محبتك ، ونصحك ومودتك ، وأنت لا تحتاج في تجربتى إلى دليل ، فلى في صحبتك زمان كقدّى طويل ، وأنا أؤكد قولي بالإيمان واعقد على ما تلقيه إلىّ الجنان ، ولا أتفوه به لجماد ولا حيوان ، والشخص إذا لم يعرف منه ما يراد ، فلا فرق بينه وبين الجماد ، واذكر ما قلت لك في درب ابن تلك : ومن كان ذا عين ولا يبصر الذي * أمامه فهذا والضّرير سواء وذو الجهل خير من عقول علومه * سراج ولكن ليس فيه ضياء ثم أنشأ أيمانا أغلاظا أنه يبالغ فيما يسمع منه احتفاظا ، ولا يبدي منه

--> ( 1 ) أي أنه لا يميز فعل من يهر في وجهه أي يعبس ، من فعل من يبر به .