أحمد بن محمد ابن عربشاه
398
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ذكرت ، وقد علمت ما حل بي ومع هذا فإنما عبت وعتبت على الصانع ، وذهلت عما أودعه فىّ من أسرار وبدائع ، فإنه لا اختيار لي فيما فطرني عليه ولا مدافع ، ولا حيلة فيما قدره على ولا ممانع ، واسمع ما قلت بعد ما وصلت في إهانتى وجلت : لقد كان قصدي أن أسود على الورى * بقدّ وطرف كامل الخلق بارع ووجه يفوق البدر والشمس بهجة * فعاكسنى تقدير ربّى وصانعى ثم خطر بالبال هذا المقال قلت : وددت لو أنى أحسن الخلق صورة * وأكمل من بدر السما وهو طالع فأبد عنى نقش المصور هكذا * ولا صنع لي فيما بي الله صانع فتنبه كسرى لكلامه ، وأمر بإعزازه وإكرامه ، وتدارك ما فرط منه بإحسانه وإنعامه . وإنما أوردت هذا المثل ؛ لئلا يكون هذا الجمل مثل ذلك الرجل ، لأنه قد تصبّح بي فلا يرى أبدا مكروها بسببي ، بل يرى الخير ويكفى أذى الغير ، وكذلك كل من هو عندي ومنسوب إلى من خولى وجندي ، ثم عاد ذلك البعير وسأله عن جليل أمره والحقير ، فأخبره أنه تاه عن أصحابه ، وأنه من بعد يتعلق بغرز ركابه « 1 » ولا صنع لي فيما بي الله صانع ، ويلازم خدمة بابه كأصحابه ، فأكرم مثواه وأحسن متبوأه ومأواه ، إلى أن صار من أكبر الخدم ، وذا خول وحشم ، ورأس الندماء ورئيس الجلساء ، وأمن النكد والبوس ، وسمن حتى صار كالعروس ، فحسده الدب لعدم اللّب ، وعزم بمكره على إلقائه في الجب ، واشتد بذلك البرم « 2 » إلى أكل لحم الجمل القرم ، فأخذ
--> ( 1 ) الغرز : ركاب الرحل من الجلد ، والمعنى : يتمسك به . ( 2 ) اللئيم .