أحمد بن محمد ابن عربشاه

365

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وأما الغنى ذو المال فهو على عكس هذه الأحوال ، فإن رأوا منه فضلا كان لكل مكرمة أهلا فرفعوه إلى العيوق « 1 » ، وكان العظم المرموق ، إن أعطى قليلا استصغروا حاتما عنده « 2 » ، وأطنبوا بلسان الثناء في شكرهم رفده ، وإن بخل قالوا : مدبّر لا يضيع ماله ، وإن كذب صدقوا قليله وقاله ، وفي الجملة حركات الغنى مستصوبة وكلماته مترشفة مستعذبة ، وقد قيل : إن ضرط الموسر في مجلس * قيل له يرحمك الله أو عطس المعسر في مجمع * سبّوا وقالوا فيه ما ساء فمضرط الموسر عرنينه * ومعطس المفلس مفساه « 3 » الفقر يرزى بأقوام ذوى حسب * وقد يسوّد غير السيّد المال ولقد رشفت من أفواه الحكماء ونصائح البلغاء ، بل شاهدت من النوائب وتلقفت من ذوى التجارب ، وتحققت في الدهر أبا العجائب ، أن الفقر شيب الفتيان وسقم صحيح الأبدان ، ومعبد الأقارب وجاعلهم أجانب ، وقاطع الأرحام ومانع السلام ، ومبغض الأحباب ومفرق الأتراب ، ومشتت شمل الأصحاب . وبالجملة : فالذي يجب على ولى الأمر ، التأمل في قصارى هذا الأمر ، والتفكر في عاقبة هذه الحركة ، وما يحدث فيها من شؤم وبركة ، وأن يجيل قداح التدبر والتبصر والتصبر ، ويثبت في صدرها هذا المورد المضيق وما فيه من مجال أو ضيق ، ولا يعتمد فيه على القوة والحول وأسباب الطّول والطول ، وكثرة الشوكة والعدد ، وإمداد العدد والمدد ، مع عدم الاكتراث بالأخصام وقلة المبالاة بكل أسد ضرغام ، فإن الأسد سلطان السباع ، وملك

--> ( 1 ) العيوق : أحد نجوم السماء المضيئة . ( 2 ) أي حاتم الطائي وهو ممن اشتهر بالجود والكرم . ( 3 ) العرنين : الأنف .