أحمد بن محمد ابن عربشاه
363
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وإنما أوردت هذا التنبيه ، أيها الملك النبيه ؛ لأعرض على الخواطر السعيدة والآراء السديدة الرشيدة أن الاقتصار عن هذا أولى . وأليق بالركون تحت إرادة المولى . قال المدبر المفتن المعبر : ثلاثة أشياء ينبغي لطالبها أن لا يفتكر في عواقبها . الأول : الأسفار في البحار والغوص فيها إلى القرار ؛ فإن طالب الجواهر النفسية ، ومن قصد أن يكون في صدر التجارة رئيسة ، لا يخشى من الغرق ولا عنده من ذلك فرق ، فهذا يعبى بضائع المال ، وذاك يغطس إلى قعر الأوحال ، وكل منهما لا يتفكر في العاقبة والمآل . الثاني : المقدم على الحرب والرشق والطعن والضرب ، ومصارعة الأبطال ومباشرة أسباب القتال ، لا ينزعج لصوت ولا يفتكر في الهزيمة والجراح والموت . والثالث : طالب الرئاسة والملك ذي السياسة ، لا يفتكر في الاقتحام ، ولا يتوانى في الإقدام ، ولا يتأمل في العواقب ولا يلتفت إلى المناقب ، ويلقى نفسه في الأخطار ويضرب إلى أعماق الأقطار ، ويجعل جلّ همّه بلوغ الأوطار وقيل : بقدر الكدّ تكتسب المعالي * ومن طلب العلى سهر اللّيالى تروم العزّ ثم تنام ليلا * يغوص البحر من طلب اللآلي إذا همّ ألقى بين عينيه عزمة * ونكب عن ذكر العواقب جانبا قال الحكيم وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [ النور : 15 ] أولوا الألباب المميزون بين الخطأ والصواب ، الناظرون من مبتدأ الأمور في أعقابها ، المستبصرون قبل وقوعها في مآلها ومآبها ، الآتون بيوت النوائب والنوازل من أبوابها ، قالوا : إذا تحصن أبو الحصين ، وأغلق عليه من وراء