أحمد بن محمد ابن عربشاه
360
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
في الهوى ، وينقل عن بيدر الشقاء « 1 » إلى طاحون البلاء ، فهناك يجدح « 2 » سويق أفعاله ما يزيغه ، فيحسوه ويتجرعه ولا يكاد يسيغه ، ويصهر به ما في البطون ويقال له ذوقوا ما كنتم تكسبون ، هذا وإذا كان الدخل لا يفي بالخرج ، وخيف من ذلك وقوع هرج ومرج فبحسن التدبير يتصرف الملك الخبير ، وبكفاية الوزير ، وتوفير المشير ، يجل الحقير ويكثر النزر اليسير ، كما قيل : قليل المال تصلحه فيبقى * ولا يبقى الكثير مع الفساد وبالخلق الحسن وحسن السياسة تملك رقاب أولى الرئاسة ، فضلا عن العوام وهذا بحسب المقام ، ولا يتصور أن مجرد المال هو شبكة صيد الرجال ، فإن حفظ الممالك هو وراء ذلك ، وقد قال رسول خلاقكم « إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم » « 3 » . وشيء يحتاج في تحصيله ، والانقطاع إلى وصوله إلى بذل أموال وأرواح وكد نفوس وأشباح ، وإتعاب خيل ورجال وارتكاب شدائد وأهوال ، وبعد حصوله يتكلف في محافظته وحراسته وملاحظته ، إلى تحمل هموم وغموم وكلام وكلوم « 4 » ، وآخر الأمر يخرج من اليد ولا يبقى إلا النكد والكد ، فتزول في الدنيا اللذات مع معاناة الكدورات ، وتجرع الغصص والمشقات ، وتبقى في الآخرة التبعات لجدير بأن لا يلتفت إليه ولا يعول عليه ، ولا يهتم له بشأن ويستغنى عنه وإن احتج إليه بقدر الإمكان ، وإلا فمثل الذي يعلق به فؤاده ويربط بدوامه وبقائه اعتقاده ، ويتصور ذلك بفكره الفاسد نظره الكاسد ، كمثل كسرى لما مات ولده ، وتفتتت عليه كبده ، وحصل له عليه الاضطراب ، ورده عن خطئه البهلول « 5 » إلى الصواب ، فسأل أبو الحجاج أخاه المحجاج عن بيان هذا الأمر ، وكيفية إطفاء هذا الجمر .
--> ( 1 ) البيدر : المكان الذي يدرس فيه القمح والحبوب . ( 2 ) اجتدح السويق : خلطه ولتّه . ( 3 ) الحديث ذكره العجلوني في كشف الخفا ( 1 / 217 ) وقال : رواه الحاكم والبزار . ( 4 ) جروح . ( 5 ) البهلول : كلمة فارسية تعنى الضّحاك ، أو البهلوان وكان من جملة حاشية الملك .