أحمد بن محمد ابن عربشاه

35

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فقال له ، بعد أن استصوب رأيه : طريق التوصل إلى الانفراد يا ذا الدراية أن تستأذن في تأليف تصنيف وترصيف تأليف « 1 » ، يشتمل على فنون من الحكمة ، وأنواع من دقائق الأدب والفطنة ، ولطائف التهذيب وأخلاق العباد ، ويكون عونا على اكتساب مصالح المعاش والمعاد ، وتتوفر به مكارم الأخلاق والشيم ، وعوالي تهذيب النفس ، وظرائف الفضل والحكم . فيظهر بذلك غزارة علمك ، ويشتهر بين الخاص والعام نباهة فضلك وحلمك ، ولا يقف أحد في طريقك ، ولا يقدر أحد أن يتصدى لتعويقك ، ويحصل بذلك فوائد جمة أدناها الخلاص من ورطة هذه الغمة ، إلى أن ينجلى دجاها « 2 » وتتجلى شمس الاستقامة وضحاها . فاستقر رأى الحكيم حسيب ؛ على العمل بهذا الرأي المصيب ، ثم توكل على الله واعتمده وتوجه إلى مد قصده ، ودخل غير مرتبك على الملك ، وقبل الأرض ووقف في مقام العرض ، وذكر ما عزم عليه أو توجه قصده إليه ، بعبارة رقيقة وألفاظ رشيقة فتأمل الملك في خطابه ، وتوقف في جوابه . وكان للملك وزير ، ذو فضل غزير ، في غاية الحصافة والمعرفة والظرافة ، إن لطف كان رأفة ، وإن كان كشف آفة ، بعيد الغور « 3 » . إن رفع أبلغ إلى الثريا ، وإن وضع أنزل إلى الثور « 4 » بينه وبين الحكيم من سالف العهد القديم عداوة مؤكدة ، وشدة مؤبدة ، وتحاسد الأكفاء غل قمل « 5 » ، وعداوة النظراء جرح لا يندمل . فبلغه ما أنهى الحكيم إلى مسامع الملك الكريم ؛

--> ( 1 ) ترتيب . ( 2 ) ظلمتها . ( 3 ) عميق الفكر . ( 4 ) الثور ، أحد أبراج السماء . ( 5 ) غل قمل ، مثل يضرب في شدة العداوة ، وأصله أنهم كانوا يغلون الأسير وعليه الشعر فيقمل .