أحمد بن محمد ابن عربشاه

348

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فتوجهت الحمامة بهذه النقوش وشهرت النداء في طوائف الوحوش ، بما هم عليه قادمون ، وأنهم للملك يسار خادمون ، ثم تبعها الوزير ومعه كل أمير وكبير ، من خواص المباشرين والأعيان الملازمين ، وكبراء الأطيار ورؤساء الأخيار ، واستقبلوا ملوك الوحوش والهوام ، ورؤساء السوائم والسوام ، وقابلوا ملتقاهم بالإعزاز والإكرام ، ووعدوهم بكل خير وإحسان ، ووصلوا بهم إلى ميدان الأمان ، وحين حل عليهم نظر السلطان ؛ قبلوا الأرض ووقفوا في مقام العرض ، وأدوا من واجب العبودية النفل والفرض ، فأنزل كلا في مقامه ، بعد أن أحله في محل إكرامه ، وأفاض عليه خلع إحسانه وإنعامه ، وعلت منزلة الوزير ، وتقدم كما تقدم وأشير ، وصفا لهم الزمان وعاش في ظل عدلهم كل ضعيف من الحيوان ، وتقلبوا في رياض الأماني على بساط الأمان . وفائدة هذه الحكايات تنبيه أشرف جنس المخلوقات ، وألطف طائفة المكونات وهو نوع الإنسان ، الذي اختصه الله تعالى بأنواع الإحسان ، وأيده بالعقل وأمده بالنقل ، على أنه إذا كان هذا الفعل الجليل يصدر في التنظير والتمثيل ، من أخس الحيوانات وما لا يعقل من الموجودات ، فلأن يصدر من أولى النهى وأولى الفضل والمكارم والعلى ، أولى وأحرى ؛ لا سيما من رفع الله في الدنيا مقداره ، وأعلى على فم الخلائق مناره ، وحكمه في عبيده المستضعفين واسترعاه على رعية سامعين مطيعين ، وسلطه على دمائهم وأموالهم ، وبسط يده ولسانه في رفاهيتهم ونكالهم . والأصل في هذا كله : قول من عم عبيده بفضله ، وبقوله اهتدى العالمون وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت : 43 ] . آخر الباب السادس والحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ، آمين .