أحمد بن محمد ابن عربشاه

340

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وكان مغرما بذلك يسلك فيه كل المسالك ، ويرد فيه الموارد ويتبع كل صادر ووارد ، ففي بعض الآناء وقف على طبيب من الأطباء ، فسمعه يقول : إن أصلا من الأصول العدل والتسوية بين الأطعمة والأغذية ، والعقاقير والأدوية ، فمن لم يستعمل الاستواء في درجات الغذاء والدوا ؛ ضل عمله وغوى ، وأصل هذا المزاج ؛ ولا ينكره إلا ذو لجاج فإن العناصر الأربعة منها المضرة والمنفعة ، وقد تولد منها السوداء والبلغم والصفراء والدم « 1 » ، فمتى اعتدلت هذه المتولدات ؛ صحت الأبدان واللذات ، ومتى عن الاعتدال عدلت أمرضت وقتلت . وكذلك النيّر « 2 » الأعظم والكوكب المضئ في العالم ، إذا حل في مركز الاعتدال استقام للعالم الحال ، وطاب الزمان واعتدل ، وذلك عند نزوله في برج الحمل ، فتصور ذلك الولهان أن المقصود التسوية في الأوزان ، فانصرف وهو فرحان وقصد طعام الزبرباج « 3 » وعبّى من مفرداته ما يحتاج ، ثم إنه ساوى بين أوزانها وقصد العدل في ميزانها ، وخلط كعقله أخلاطها ، ووضعها في قدر وساطها ، فخاب عمله في عدله وبان نقصه في فضله . فلما رعى الملك والوزير ما سلكه السفير في نظام هذا التقرير شكرا له مساعيه ، وأخصبا في الإكرام والإعزاز مراعيه ، وقالا : جزاك الله خيرا عن شفقتك ، وحسن صنيعك لمرسليك ورفقتك ، فمثلك من يصلح للسفارة بين الملوك ، وتولى أمور الرعية من الغنى والصعلوك ، فإنك ناصح لمن فوقك شفيق على من دونك .

--> ( 1 ) السوداء ، والبلغم ، والصفراء ، والدم : الأخلاط الأربعة داخل جسم الإنسان ، في عرف الأقدمين . ( 2 ) الكوكب المضئ . ( 3 ) الجيد الجميل من كل شيء .