أحمد بن محمد ابن عربشاه
329
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وقال القائل : وتأبى الطباع على النقال . واستمر هذا الكلام بينهما عدة أيام ، إلى أن ركب السلطان وقصد السيران والوزير في ركابه بين خدمه وأصحابه . فرأيا من بعد شابا من أولاد أحد الجند ، وهو جالس على فرع شجرة يابس يريد قطعة لما عدم نفعه ، وقد جعل ظهره إلى طرف الفرع ، وهو عمّال بالمنشار في أصله للقطع ، فتأمل السلطان والوزير في هيئة ذلك الظبي الغرير ، ثم قال السلطان للوزير بين الأعيان : وطبع هذا أيضا داخل في الإمكان ، وهو يقبل التغيير والتعليم ، ويمكن استحالته بالتأديب والتفهيم ، فلم يحر الوزير جوابا لا خطأ ولا صوابا ، ثم أشار إلى بعض خوله « 1 » ، أن يذهب بذلك الشاب إلى منزله ، فلما نزل من الركوب أحضر ذلك الشاب المرعوب الغافل المحبوب ، ثم طلب له مؤدبا حاذقا مهذبا وأمره أن يجتهد في تعليمه ، ويبالغ في تأديبه وتقويمه ، ويوقفه من العلوم على دقائقها ، ويسلك به إلى خفايا طرقها وطرائقها ، فاشتغل بتربيته ليلا ونهارا ، وبذل مجهوده في ذلك سرا وجهارا ، إلى أن برع في أنواع العلوم وضبطها من طريقي المنطوق والمفهوم ، ولما فرغ من العلوم أدناها وأنهاها ، من مبتدئها إلى منتهاها ، شرع به في علم إدريس « 2 » وهو علم النجوم النفيس ، واستطرد منه إلى علم الرمل المنير ، وتوصل به إلى أن توصل إلى إخراج الضمير ، فأتقن هذه العلوم ؛ لا سيما إخراج الضمير الموهوم . فلما أتقن ذلك وسلك فيه أدق المسالك ، أحسن الوزير إليه وأستصحبه إلى الملك ودخل به عليه ، فقبل الأرض وأدى من شرائط الخدمة النافلة والفرض ، وقال للسلطان محمود : إن هذا هو ذاك الشاب المعهود ، وقد برع
--> ( 1 ) خدمه . ( 2 ) إشارة إلى نسبة علم النجوم إلى إدريس عليه السلام ، وهذا مما لا يصح فيه شيء .