أحمد بن محمد ابن عربشاه
323
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
الملك في تلك الساعة ، وبعد ما تبادر بالتصديق طاروا بالفرح ودخلوا الطريق ، واستصحبوا من الخدام والتقادم ما يصلح للمخدوم من الخادم ، فلما قربت الديار ودنوا من ولاية الملك يسار تقدمت الحمامة وسبقت ، وأخبرت الملك والوزير بما فتقت ورتقت « 1 » ، فاستبشروا بما تقدم وبادر الوزير لملاقاة المقدم ، فتلقاهم بالاحترام والتوقير ، وأكرم الكبير منهم والصغير ، ومشى معهم بالإكرام والحرمة ، وأوقف كلا منهم في مقام الخدمة ، وحين استقر بهم المقام افتتح الوزير الكلام ، فأثنى على الله تعالى وضاعف التحية على نبيه وآله ، ثم امتدح الملك الذكي بثناء يخجل المسك الزكي ، وذكر بعد ذلك ما يتعلق بسياسة الممالك ، وأن الله منّ بالملك عليه ، وساق سلطنة الوحش والطيور إليه ، وذكر مقام كل من الطيور وما وظيفته بين أولئك الجمهور ، فأطاع الكل وتابعوا وعلى ما اقترحه عليهم بايعوا وأنشدوا فأرشدوا : ونحن أتينا طائعين ولم نكن * عصاة فرم غير الطيور عساكرا ولما انقضى الوطر من قضايا الطير ، أخذوا في استدعاء جموع الغير من الوحوش الكواسر ، والبهائم الجواسر ، والهوام النواشر ، والجوارح النواسر ، وأرسلوا في تلك الجماعة الحمامة ، وقلدوها في طوق الزعامة ، فتوجهت نحو الوحش ، وإلى كل فارح من الصيد وجحش ، وكانوا بذلك قد سمعوا وللمشاورة فيه قد اجتمعوا ، فبلغت الحمامة الرسالة وأظهرت ما فيها من بسالة ، وكان آخر ما وقع عليه الاتفاق ، الوفاق ، وعدم النفاق وقصد الارتفاق والتوجه إلى خدمة الملك يسار صحبة الرفاق ، وقالوا : لا شك أن الكلب بالوفاء مشهور ، وبحسن الرعاية والحراسة مذكور ، ويقدر أن يرعانا من الإنسان ، ويحمينا من السباع ومؤذيات الحيوان ، وأوصافه مذكورة في الكتاب وناهيك بفضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب .
--> ( 1 ) أي ما كان منها من كلام .