أحمد بن محمد ابن عربشاه

321

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

تبارك وتعالى وجل جلالا ، هو مسهل الصعاب ومفتح الأبواب ، وإذا أراد أمرا هيأ أسبابه وفتح على الضعيف طاقته وبابه ، ووسع رحابه وسدد إلى مرامى المرام لراميه نشابه « 1 » ، وحصول مثل هذا الصاحب الصادق والرفيق الموافق والمعين المصادق ؛ أدل دليل على أن الله الجليل ييسر هذا المطلوب ويظهر هذا النجح المحجوب . ثم أنهما استشارا الحمامة في كيفية نيل الزعامة والشروع في هذا الأمر ، والتوصل إلى دعوة زيد وعمرو ، وطريقة اشتهاره ، وتعاطى أسباب انتشاره . فقالت : أنا من جنس الطير مشهورة بينهم بالخير ولهم إلىّ سكون ، وعلى مناصحتي اعتماد وركون . فالصواب في فتح هذا الباب دعوة الجمهور من الطيور ، وأنا به زعيم وفي الرسالة حكيم ، فإن اقتضى الرأي الرفيع توجهت ودعوت الجميع بعد التخيير والتشهير بين الكبير منهم والصغير ، أن أبا الجراء السلطان ، وأبا الجداء الوزير ، وقد وقع الاتفاق في الآفاق على هذا الوفاق ، فليبتهج سائر الطيور بهذا الفرح والسرور ، وليقرأ على رؤوس الجمهور هذا المقال المنشور ، وليبادر إلى الخدمة بالحضور ولا يتخلف أحد من آمر ومأمور ، والحذر الحذر من المخالفة وعدم الانقياد والمؤالفة ، فقد طاب الوقت ، وراق وزال المقت ، والشقاق والمسارعة في أقرب زمان ليأخذوا لأنفسهم الأمان ، ولا يركبوا من التعويق سوى متن مسافة الطريق . فأعجب الملك والوزير من الهديل هذا الهدير « 2 » ، فكتب بذلك بطاقة ، وحملتها الحمامة بأحكم وثاقة ، ثم أخذت إلى الجو ، ووقيت من الجوارح السّوّ ، ثم هبطت إلى مجمع الطير ، وهو نادى الندى والخير ، فرأت منها خلقا كثيرا ، وجمعا غزيرا ، فسلمت سلام المشتاق ، وعانقت عناق العشاق ،

--> ( 1 ) النبلة تستخدم في رمى السهام . ( 2 ) الهدير : صوت الحمام ، والمعنى كلامه .