أحمد بن محمد ابن عربشاه
313
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
أنبت لهم في بعض الجبال ، زراع القدوة ذو الجلال في رياض النزاهة والكمال ، شجرة ذات بهجة وجمال أصلها في أرض الملاحة ثابت ، وفرعها في أصل المحاسن نابت ، وغصنها إلى سماء العلى واصل ، وورقها كعقود الجمان « 1 » بالبهاء متواصل ، لا سموم الصيف « 2 » يزيل زهرتها ، ولا عواصف الخريف تذهب خضرتها ، ولا صرصر الشتاء « 3 » يعرى أغصانها ، ولا لواقح الربيع تذرى أفنانها ؛ فاعجب بحسنها أهل تلك الديار وأشربوها إشراب بني إسرائيل عجلا جسدا له خوار ، ثم تفانوا في حبها وتهالكوا على قربها . فعبدوها كما عبدوه ، واعتقدوها كما اعتقدوه ، واستولى على عقولهم الشيطان ، وصار يخاطبهم من الشجرة واحد من الجان ، فزادهم فيها اعتقادا ، وعمهم بعبادتها كفرا وعنادا . فقدم تلك البلاد فقير من السائحين وهو من عباد الله الصالحين ، فلما رأى تلك الحالة ؛ أفزعه ذلك وهاله ، وأخذته غيرة الإسلام ، وغضبة دعته إلى القيام ؛ فأخذ فأسا وقصدها ليقطع ساقها وعضدها . فلما قرب إليها ، وأراد وضع الفأس عليها . سمع منها صوتا خوفه ، وعن مراده أوقفه ، فقال : أيها الرجل الصالح والقادم السائح ، فيم ذي الهمة ، وعلام هذه العزمة المهمة ، وما قصدك بهذه الصدمة ، فقال : غيرة الله أيها المضلّ اللّاه شجرة تعبد من دون الرحمن ولا يغار لهذا الشأن إنسان ؛ فلأقطعنك أيتها الشجرة المضلة ، ولأجعلنك حطبا ومثله ، فإنك قد أضللت كثيرا من الناس ، وفعلت ما لم يفعله الوسواس الخناس ، وإنك لا تنفعين ولا تضرين سوى إنك إلى النار تجرين .
--> ( 1 ) اللؤلؤ . ( 2 ) حر الصيف . ( 3 ) شدة برد الشتاء .