أحمد بن محمد ابن عربشاه
305
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ومكتوب في صحائف كتبك ، مع أنك لست بمشكور ولا بالخير مذكور ، وإن الذي شاع وذاع وملأ عنك الأسماع ؛ أنك ستحل عقده وتنكث عهده ، وتنقض الأيمان وتجازى بالسيئة الإحسان ، وإنه لم ير منك ما يسره وهو متوقع منك ما يضره ؛ وأعظم من هذا أنه آذى وحشر فنادى وبالشر بادي فقال : إنه أحياك بعد الموت وردك بعد الفوت ؛ ولولا فضله عليك وبره الواصل إليك لمت هزالا وجوعا ولما عشت أسبوعا ، ولكنه أشبع جوعك وجلب هجوعك ، واستنقذ من مخاليب المنية بعد ذهابك رجوعك ، فشفاك وعافاك ، وصفا لك وصافاك وكفاك المئونة وكافاك ، وإنك كافيته مكافأة التمساح وجازيت حسناته بالسيئات القباح ، ولم يكن لإحسانه إليك ولا لما منّ به عليك سبب ولا علاقة ؛ سوى طهارة نفس زكت أخلاقه ، ولا لإساءتك إليه سبب تنقم به عليه ، إلا ما أسداه من مكارم شيمه الواصلة إليك وفوائد نعمه السابغة عليك . وقد أشاع هذا كله في الشوارع والحارات خصوصا في هذه المحلة . ثم أقسم بمن عطفه عليك وساق فضله إليك ؛ أنه جعلك محتاجا إلى نواله ، وأسبل عليك لباس صدقاته وأفضاله ؛ ليستوفين منك ما صنعته وليحفظن عليك ما عليه ضيّعته ، وليوقعنك في طوى « 1 » بلية يعجز عن خلاصك منها كل البرية ، فليريحن منك جنس الفار وليخلدن ذكر هذه القضية في بطون الأسفار . وبالجملة : فهل سمعت أن جرذانا صادق هرة ، أو اتفق بينهما مرافقة في الدنيا ولو مرة ، ومناصحة القط والفار كمصادقة الماء والنار : فأنت كواضع في الماء جمرا * وأنت كمودع الريح التّرابا فلما سمع القط هذا الكلام تألم باطنه بعض إيلام وما صدّق ، ولكن ظن واشتغل خاطره لأمر عنّ وتلهب ، واشتعل ومن يسمع يخل ، وقال للديك : جزاك الله عنى خيرا ، وما أكثر شفقتك طيرا ، ولكن من قال لك هذا المقال ؟
--> ( 1 ) طوى : وادى بالشام . معجم البلدان ( 7983 ) .