أحمد بن محمد ابن عربشاه
295
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
لازدياد المألوف نزلت ألوفهم إلى الواحد من الآحاد فاستولى عليهم لذلك الهموم والأنكاد ، فتكدرت خواطرهم واشتعلت ضمائرهم ، وأما أنا فلم أعلم أن ألفي نقص ولا جارى حلبة مداه نكص ، فإذا عدا غايته ألزمته نهايته وكبحت جامح طرفه ، وكففت طامح طرفة ؛ طلبا للراحة ورغبة في الاستراحة : فكم دقت ورقت واسترقت * فضول العيش أعناق الرجال وإنما أوردت هذا التمثيل ؛ لتعلم يا ذا التفضيل إني ما دمت له خادما وفي وصف الخدمة قائما ، ولم أتعد طورى وهو مقام الخادمية إلى ما ليس لي وهو مقام المخدومية ، فأنا مستريح ولغيرى مريح ونفسي مطمئنة ، وجوارحي عن طيش السعي مرجحنة ، وأصحابي أحبابي ، وأحبابي أصحابي ، والخواطر صافية ، والمحبة وافية ، والصداقة باقية ، ومياه المودة في رياض الأرواح صافية وفي عروق الأشباح واقفة جارية ، فإذا رمت مع وجود هذه الحسنى الزيادة وقصدت التعدي إلى ما ليس له به عادة ، فأنا بين أمرين متقلب على جمرتين ، إما عدم الحصول والانقطاع عن الوصول ، فتتضاعف المكدّات وتترادف المقسمات ، وبحسبها تصل الهموم وتحصل الغموم كما مر سالفا وذكر آنفا ، وإما الظفر بالمراد على حساب ما يراد فبقدر ذلك يقع الصداع ، ويقوم التحاسد والنزاع ، وأول ذلك معاداة الأصحاب ومعاناة الأحباب ومقاساة الأتراب ، وحصول الضغائن وبروز المكامن ؛ بواسطة الترفع عليهم وصدور المراسيم والتقدم بامتثالهم إليهم ، فالأولى بحالي التفكر في مآلى واللائق بشورى أن لا أتعدى طورى ، ولا أتورط في هذا البحر العميق والبئر الغميق ، ولا أخرج عن سواء الطريق فتهوى بي طير الهوان في مكان سحيق : وإني يسار خائف أن يردني * زماني بما لاقى يسار الكواعب