أحمد بن محمد ابن عربشاه

293

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ثم وجه معه من أتى بها ودخل إلى بيوت ما فيها من أبوابها ، فكان ما فيها من الأموال ونفائس القماش العال جمل متكاثرة ، وأصناف متوافرة ، واستولى على ذلك كله وثبت بواسطة المال في ركاب الملك واطئ نعله . وإنما أوردت هذا التنظير يا ذا الرأي والتدبير ؛ لتعلم أن مسبب الأسباب وميسر الأمور الصعاب ، إذا دبّر مصالح عبده وشمله بإحسانه ورفده ؛ هون عليه كل عسير وصغر كل كبير ، وأنت بكل هذا بصير . قال يسار : صدقت وصوابا نطقت ، ولكنني نظرت إلى الدنيا ورزت « 1 » أحوالها السفلى والعليا ، ورأيت كلما زاد الشخص حرصا وطمعا ازداد لنفسه عبودية وتبعا وللدنيا وللآخرة رشقا « 2 » ، فصارت قيوده أثقل وحسابه أشد وأطول ، وهمومه أتم وغمومه أعم ، وإن الواثق بالدنيا والراكن إلى ما فيها من أشياء كالجاعل له من السحاب حصنا ومن الحباب كنا « 3 » ، وأي وقاية تحصل من السحاب وأي إبواء يصدر من الحباب ، ومن تأمل الدنيا بعين التبصر وتفكر في تقلباتها بمصيب العقل والتدبر ، عد جمعها شتاتا ، ووصلها انبتاتا ومجيئها ذهابا ، وشرابها سرابا ، وإقبالها إدبارا ونسميها إعصارا ، وعطاءها أخذا ، وعهدها نبذا وصلتها فلذا ووهبها نهبا ، وإيجابها سلبا ، وحربها سلما ، ووجودها عدما ، وكثرتها قلا ، وعزها ذلا ، وضحكها نياحه ، وطلاقها راحه ، فلم يكن عنده أحسن من فراقها ولا أرضى من طلاقها ، والقناعة منها بالكفاف والرضا منها بالعفاف ، كما سلك الفلاح صاحب الماشية واستراح . فقال الزنيم : أخبرني كيف كان ذاك يا حكيم . [ 46 ] [ الفلاح صاحب الماشية : ] فقال : إن مخدومى الذي كنت عنده أحفظ ماشيته وعبده كان ذا ثروة عظيمة وأموال كثيفة جسيمة ، وكانت ماشيته لا تزيد في القياس عن

--> ( 1 ) جربت . ( 2 ) أي رماها وراء ظهره . ( 3 ) أي كالجاعل من حبات الرمل حصنا له .