أحمد بن محمد ابن عربشاه

289

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فلما سمع البلشون « 1 » هذا المجون ، أغراه الطمع فما ابتلع فسها ولها ، ثم قال لها : أعيدنى هذه الرمزة ، فبمجرد ما فتح فاه بالهمزة أنملصت السمكة منه بجمزة « 2 » ، وغاصت في الماء وتخلصت من بين فكى البلاء ، ولم يحصّل ذلك الطّمّاع إلا قطع الأطماع . وإنما أوردت يا ذا الدراية هذه الحكاية ؛ لتتأمل عقبى هذا الأمر قبل الشروع فيه ، وتتدبر منتهى أواخره في مباديه فقد قيل : أول الفكر آخر العمل . قال المشرقي : اعلم يا مرتقى إن مبنى الأمور في مجاريها ، وقواعد ما أسس عليه مبانيها تقدير خالقها وتدبير باريها ، وما حكمه وقضاه وأحكمه وأمضاه ، لكنه كتمه وأخفاه فلا تدركه العيون والأبصار بل ولا البصائر والأفكار ، فإنه علم غيب وجهلنا به ليس بعيب ، لأنه تنزه أحدا صمدا قال تعالى عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً [ الجن : 26 ] . كما قيل : على المرء أن يسعى ويبذل جهده * وليس عليه أن يساعده الدهر فإن نال بالسعي المنى تم أمره * وإن غلب المقدور كان له عذر وإن الله العلى الأعظم قد وضع أساس بنيان العالم على الأسباب ، وفتح لتعاطى الأسباب الأبواب فقال ذو الجلال وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . وقال فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [ الملك : 15 ] . وقال القائل : إذا ما كنت في أمر مروم * فلا تقنع بما دون النجوم يرى الجبناء أن العجز حزم * وتلك خديعة الطبع اللئيم فطعم الموت في شيء حقير * كطعم الموت في شيء عظيم

--> ( 1 ) البلشون : طائر طويل العنق والجناحين والساقين يعرف بمالك الحزين وهو يقعد بقرب المياه فإذا نشفت ظهر كئيبا . ( 2 ) أي بحركة سريعة إلى الوراء .