أحمد بن محمد ابن عربشاه
286
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
المذمرة « 1 » ، وتصوم عن الدماء واللحوم وعن تمزيق الحيوانات وتفريق الجماعات ، وتحمل النفس على الأخلاق الجميلة والتلبّس بالأوصاف الفضيلة من العفة والكرم والعفو عمن ظلم ، والقناعة بالنبات عن لحوم الحيوانات ، ومعاملة الكبير والصغير بالفضل الكثير والبذل الغزير ، وتلافى الخطير والحقير ليسهل العسير وينقاد لك المأمور منهم والأمير ، وهذا أمر عليك يسير ، وهذا لأنك طالما جرحت جوائحهم « 2 » وكسرت جوارحهم ، واصطدت سارحهم وأبدت بارحهم ، فهم منك متخوفون وإلى الإيذاء والضر منك متشوفون . وإذا رأوا شيئا خلاف العادة ، وعلموا أن ولايتك فيها الحسنى وزيادة ، وأصابوا الخير من مواقع الضير ورأوا ما سرّ من مواضع الشر والضر ، تشرب محبتك منهم الكبير والصغير ، وأنهاك أن يراك من الوحوش العير والنفير فيتخذك الغريب حبيبا ، ويصير البعيد منك قريبا فتصيد بالمحبة أرواحهم كما كنت أو لا تبيد أشباحهم « 3 » ، وإذا ضرب صيتك في الأرض ونثر دره بالطول والعرض ، وتسامعت بك الوفود وتحققوا أنك عدلت عن خلقك المعهود ، أقبلت إليك منهم الجنود وزان جيد جنودهم من مجوهرات محبتك عقود ، وانعقدت بينكم بالمحبة والولاء عقود العهود فتوفرت إذ ذاك جنودك ، وعلت على رؤوس الأقران راياتك وبنودك « 4 » ، وجعلوا دارك مأواهم وحماك مصيفهم ومشتاهم ، مع إن هيبتك في قلوبهم مركوزة وأسنة مخافتك في أحشائهم من قديم الزمان مغروزة ، وأعلى من فيهم يهابك ويخشاك ويتوقى مكانك ويتحاشاك .
--> ( 1 ) الجريئة . ( 2 ) أي بليتهم وأهلكتهم . والجائحة البلية والتهلكة . ( 3 ) الأشباح ، مفردها شبح : الجسد . ( 4 ) شروطك .