أحمد بن محمد ابن عربشاه

280

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

الغربة ويمسح بأنامل مؤانسته ثقل الكربة ، وما يحصل على جبين راحته من عرق القربة ، وبينما هو ينشر البيداء ويطوى إذ سمع نباح كلب يعوى ، فترجى الخير وزوال الضير ، ثم قصد نحوه فرآه مقبلا من فجوة ، فناداه أهلا بأحب الأحباب وأعز الأصحاب المفضل على كثير ممن لبس الثياب . فلما دنا منه بادر إلى عنقه وتباكى لأليم فراقه ، فتعانقا تعانق المحبين وتباثا مباثة من مضه البين « 1 » ، ثم قال له : اعلم يا لطيف الحركات وكثيف البركات ، إن كلّا منا غريب ، وكل غريب للغريب نسيب ، وأنا قد تفرست فيك وما تكاد فراستى تخطيك ، إنك رفيق صالح وشفيق ناصح وأحسن مليح ممالح ، وفي طريقه إخوان الصفاء قيم وراجح ، وإن كانت الجنسية بيننا مختلفة ، لكن القلوب بحمد الله تعالى مؤتلفة ، وكم لك من أياد سابقة ، وصدقات متناسقة ، وكم حططنا في المراعى وبتنا في الحظائر نائمين ، وأنت لحفظنا ساعى تحرسنا من الغداة إلى الرواح ومن المساء إلى الصباح ، فأخبرني ما شأنك وأين مكانك وما اسمك وما صنعك ورسمك ، ومجيئك من أين وما حاجتك في البين « 2 » ؟ . قال : أما اسمى فيسار ، وأما مكاني فبلاد التتار ، وصنعتى راعى ، وسبب مجيئي ضياعي ، ولي صاحب اسمه أقرق من دشت قفجاف بن شقرق . كنت في خدمته راعى ماشيته ، فأضللت رعيتي وضيعت حق حرمتي ، فإذا أطلب ولى نعمتي لأمحو من وصمة الجفاء سيمتى « 3 » ، فهذا شأني وجلّ بغيتي . قال الزنيم : أنا من حين شاهدت في وجهك الأنوار ، علمت أنك يسار

--> ( 1 ) أي تلاقا وتعانقا من آلمه الفراق . ( 2 ) أي وما حاجتك يا زين الناحية ؟ . ( 3 ) وصفه ونعته .