أحمد بن محمد ابن عربشاه
277
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
قال الشيخ أبو المحاسن ؛ من ماء معارفه غير آسن ، ومن لممدود أرض الفضل من فضائله رواس « 1 » ، وفي مشحون بحر العلم من فواضله آمن : فابتهج الملك لهذا الكلام ، وارتاح لما تضمنه من الحكم والأحكام واستزاد أخاه من عقود هذا النظام ، فقبل الأرض في مقام الخدام . [ 42 ] [ نوادر التيس المشرقي : ] وقال : بلغني يا ملك الأنام ، أن راعيا يرعى ثلة من الأغنام وحميلة من المعز الجسام وفي ماشيته تيس مطاع كلهم له أتباع ، وهو قديمها وقائدها وزعيمها وأبو نتاجها وحمو نعاجها ، وأصله من الشرق لم يكن بينه وبين إبليس في الشيطنة فرق ، اسمه الذميم التيس الزنيم ، وكان بواسطة الفحولة والكبر والتقدم في الحضر والسفر يستطيل ويصول ، وينطح الكباش والوعول ، ويكسر أصحاب القرون من الفحول ، فيجرح ضعيفها ويطرح نحيفها ، ويضرب بخالصها لفيفها ؛ إلى أن أباد أعيانها وأعجز رعيانها وطال منه العقوق ، فخرج به صاحبه إلى السوق ليبيعه ويستريح ويخلص الماشية من شره ويريح . فبينما هو يطوف إذ قابله قصاب مخوف طويل القامة كبير الهامة ، كأنه زبنى القيامة ، شثن اليدين « 2 » أزرق العينين ، بثوب وسخ وطرطور سنخ « 3 » ، وسطه محزوم بسير مبروم ، فصدف الراعي وهو في السوق التيس ، وقال : بكم هذا يا أبا الكيس ؟ فوقع بينهما الاتفاق ، ووقع الزنيم في شبكة الرباق « 4 » ونظر إلى القصاب « 5 » وصورته القاضية بالعجاب ، فرأى رجلا كأنه من الشياطين معلقا في وسطه عدة سكاكين ، فدخله الرعب ورجف من الرهب ، وأدرك بالفراسة أنه سيهلكه ويحذف رأسه ، وقال ظني والظن يخيب
--> ( 1 ) أي فضائله ثابتة راسية . ( 2 ) غليظ اليدين . ( 3 ) متسخ . ( 4 ) الربقة : العروة في الحبل . والمعنى شبكة الصياد . ( 5 ) الجزار .