أحمد بن محمد ابن عربشاه
269
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فتقدم مبارك الميلاد وبذل في أداء وظائف الدعاء الاجتهاد وقال : إنما كان عاقبة هذا الأمر وإطفاء نائرة هذا الجمر وأداؤه إلى انتظام عقود السعد ، واشتماله على جمع الخواطر من بعد بميامن الخواطر الشريفة وشرف ملاحظتها المنيفة ، وتوجه مساعدتها لخدمها وشمول عواطفها على عبيدها وحشمها ، وإقبال طالعها السعيد ولولا ذلك لما انتظم لنا شمل أيها العبيد ، فالمنة في هذا كله للصدقات الشريفة والجميلة لعواطف منتها المنيفة ونظير هذا الشأن ما جرى للخارج على الملك أنوشروان فسأل الملك المطاع عن هذا المضاع . [ 40 ] [ قصة الخارج على الملك أنوشروان : ] فقال : ذكر أهل التاريخ بأعالي الشماريخ ، أن كسرى أنوشروان جاهره أحد الملوك بالعصيان ، وانتدب لمحاربته طائفة من الأعوان فتوجه كسرى إليه ووثب وثوب الأسد الضاري عليه ، ورأى التوانى في أمره والتأخير من جملة الاخلال والتقصير ، فقابله قاتلا وقاتله قائلا : إذا استحقرت أدنى من تعادى * بمالك من يد وندى وطاقة فما استحقرت إن أهملت إلا * أمورك وهو ذا عين الحماقة فلما تواقفا واصطدما وتثاقفا ، انكسر ذو الطغيان وانتصر أنوشروان وقبض على العدو وحصل الأمان والهدو وقص طائره وتفرقت عساكره ، وحمل وقد سيم خسفا وكسرا إلى الملك العادل كسرى ، فتقدم بالإحسان إليه وجعل العفو شكرا لقدرته عليه ، وبالغ معه في اللطف والإحسان وأنزله عنده في بستان ترتع « 1 » النزاهة في ميادين رياضه ، وتكرع « 2 » الفكاهة من رياحين حياضه ، وأفاض عليه من خلع الإنعام ، وإدرارات الفضل والإكرام ، ما أزال دهشته وأحال وحشته وأبدى استعباده ، وابعد استبعاده . فلما حصل أنسه وهدأت نفسه أخذ في تنجيزه وابلاغه إلى مأمنه وتجهيزه فأبى إلا الإقامة ، والتلبث بدار الكرامة وسأل الصدقات وما لها من عميم الشفقات مجاورة محلها ، والإقامة تحت ظلها واغتنام مشاهدتها
--> ( 1 ) أقام وتنعم . ( 2 ) تمتد وتنتشر .