أحمد بن محمد ابن عربشاه
26
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
الجدجد « 1 » . وتصادق القط والجرذان ، وصار السرحان « 2 » راعى الضان ، وعانق الليث الحمل والذئب الجمل ، ورفع الباشق « 3 » الحمامة على رقبته وحمل ؛ ارتاحت لذلك نفوسهم وزال عبوسهم ، وانشرحت خواطرهم ، وسرت سرائرهم ، وأصغت إليه أسماعهم ، ومالت إليه طباعهم ، وأدى طيشهم إلى أن طاب عيشهم . ولكن أهل السعادة وأرباب السيادة ومن هو متصد لفصل الحكومات والذي رفعه اللّه الدرجات ، فانتصب لإغاثة الملهوفين وخلاص المظلومين من الظالمين والمنتبهون بتوفيق الله تعالى لدقائق الأمور ، وحقائق ما تجرى به الدّهور ، إذا تأملوا في لطائف الحكم ، والفرائد التي أودعت في هذه الكلم ، ثم تفكروا في نكت العبر وصفات العدل والسير والأخلاق الحسنة ، والقضايا المستحسنة المسندة إلى ما لا يعقل ولا يفهم ، وهم من أهل القول الذي يشرف به الإنسان ويكرم ، يزدادون مع ذلك بصيرة ، ويسلكون بها الطرق المنيرة ؛ فتتوفر مسراتهم وتتضاعف لذاتهم . وربما أدى بهم فكرهم وانتهى بهم في أنفسهم أمرهم ؛ أن مثل هذه الحيوانات مع كونها عجماوات إذا اتصفت بهذه الصفة وهي غير مكلفة ، وصدر منها مثل هذه الأمور الغريبة والقضايا الحسنة العجيبة ، فنحن أولى بذلك ، فيسلكون تلك المسالك . وقد ضرب اللّه ذو الجلال في كلامه العزيز الأمثال فقال مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ العنكبوت : 41 ] .
--> ( 1 ) حشرة تشبه الجراد . ( 2 ) السرحان : أحد أسماء الذئب . ( 3 ) من الطيور الجارحة ، وهو صغير الحجم .