أحمد بن محمد ابن عربشاه
252
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فاضطر الملك من أموره ، واشتغل لإيقاعه بنذوره ، وجعل ينصب له شرك الوقائع ويجتهد في إيقاعه بكل دان وشاسع ، وذلك الباغي أحذر من الغراب ، وأسهر من طالع الكلاب ، والملك لا يقر له قرار ولا يطيب له عيش لا بالليل ولا بالنهار . فكان من أحسن الاتفاق أن علق ذلك البغى ببعض الأوهاق « 1 » فحمل إلى حضرة الملك وهو في قيد البلاء مشتبك . فلما رآه في قيد النكد بادر إلى الأرض فسجد ، وقال : الحمد لله المغيث حيث أمكن منك أي خبيث ، أترى هذا في المنام ، فهو أضغاث أحلام ، أم سمح الزمان بأهل العدوان وأنا يقظان ، ثم شرع في السّب والتجديع « 2 » والتوبيخ والتقريع ، وأقسم بفالق الإصباح وخالق الأرواح والأشباح ليفعلن بذلك النباح من النكال والجراح ما فعل المصطفى عليه الصلاة والسلام مع سرّاق اللقاح « 3 » ، وليذيقنه كأس الباس وليجر عنه من خمر المنية أمر كأس . ثم أمر الجلاد أن يأتيه بماله من النطع « 4 » والسيف والعتاد ، فعلم ذلك الزنديق أنه وقع في الضيق وأنه لا ينجيه أخ ولا صديق ، ولا افتداء يشفق ولا حميم وشفيق ؛ فضلا عن مال ومنال أو خيل ورجال . فلما غسل يده من العيش استهوته الخفة والطيش فشرع في السباب ودخل في الشتم من كل
--> ( 1 ) الأوهاق ، مفردها الوهق : حبل يطرح في عنق الدابة وتشد منه . ( 2 ) أي عيّبه . ( 3 ) سرّاق اللقاح : هم أناس من قبيلة عرينة كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري : باب أبوال الإبل والدواب ( 233 ) عن أنس قال : قدم أناس من عرينة ، فاجتمعوا المدينة فأمرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بلقاح ( الإبل ) وأن يشربوا من أبوالها وألبانها ، فانطلقوا : فلما صحّوا قتلوا راعى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، واستاقوا النعم . فجاء الخبر في أول النهار ، فبعث في آثارهم . فلما ارتفع النهار جيء بهم ، فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم وألقوا في الحرّة يستقون فلا يسقون . ( 4 ) النطع : بساط من الجلد يشد تحت المحكوم عليه بقطع الرأس أو اليد .