أحمد بن محمد ابن عربشاه

249

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فتبسم أبو العباس ابتسامة ظهرت منها للرضا علامة ، فاشتعل الدب من القيظ وكاد يتمزق من الغيظ ، وعلم أن عقد أمره انفرط ونجم سعده من فلك السعد سقط ، وأنه لم يكتسب من مكايد القساوة إلا هاتيك العداوة ، وانكشف عند مالكه ما وطأه من مغطى وقرأ كل أحد حديث ذلك الموطأ « 1 » ، وغلب عليه الوجد في الحال فخرج عن دائرة الاعتدال ، وسكر من خمرة العداوة فطفح وعربد وشطح . فقال : كل من ستر على أعداء الملك فهو الخيانة والجناية مشترك وكل من شفع في الجاني فهو في قيد العصيان عانى ؛ بل هو أشد من المباشر إذ هو معاشر للمتعاطى ومكاثر ، والإبقاء على المعصية شر منها ، والرضا بكفر الكافر فتنة يفر عنها ، وما أظنك أيها النديم العارف القديم لمعرفة هذا القدر عديم ، فإن أبيت إلا الإصرار ومساعدة الفجار ومعاونة الأشرار فأنت حينئذ مستخفّ لهيبة ولى نعمتك مستنقض حرمة مالك رقبتك طالب لابتذاله ، مستهين بمقام جلاله ، راض بتسليط الأنذال والأوغاد الأرذال على انتهاك حرمته وابتكاك « 2 » أستار حشمته ؛ ونحن لا نرضى بذاء الذمامة ولا كيد للمخالف ولا كرامة . فعند ذلك استشاط الغضنفر ، وتأثر لكلام الوزير ، وتغير وزأر وهمر وزفر زفرة وزمجر ، وكاد أن يثب على أبى جمهر ، ثم إنه تماسك وتناسى الغدر وتناسك وقال : يا أبا سلمة ؛ كبرت كلمة ؛ غيبة الأصحاب والنميمة بين الأحباب ، وساءت حركة ، وبئست ملكه تناسى الحقوق وتحاشى العقوق ،

--> ( 1 ) الموطأ ، مفعول من وطئ ، ورجل موطأ أي سهل الأخلاق كريم مضياف ، والموطأ على الإطلاق عند العلماء يعنى موطأ الإمام مالك بن أنس الذي جمع فيه سنن المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 2 ) كشف .