أحمد بن محمد ابن عربشاه

245

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

عمّال ، فلا يستفيد إلا التعويق والتبعيد ، ففي تلك الحال ينبغي الإمهال لا الإهمال إلى أن يتوجه السعد بالإقبال ؛ فعند ذلك مد الشباك وصيد السّماك ، فإن السعد أتاك والدهر واتاك ، وناهيك قصة كسرى القديم مع وزيره بزرجمهر الحكيم ، فسأل أخا نهشل بيان ما نقل من المثل أخوه أبو نوفل . [ 36 ] [ كسرى ووزيره بزرجمهر : ] فقال : بلغني أن كسرى أراد التنزه فثنّى إلى حديقة عنان التوجه ، وطلب الحكيم بزرجمهر ، وجلسا تحت دوحة زهر على بركة ماء ؛ أصفى من دموع العشاق ، وأنقى من قلوب الحكماء ، ثم طلب طائفة من البط لتلعب قدامه في البركة وتنغط « 1 » ، وجعل ينادم وزيره ويتلقف منه حكمه المنيرة ، ويتعرج على البط وهو يلعب ويتأمل في أنواع حكم الصانع القديم ويطرب ، وصار يعبث بالخاتم في إصبعه ويسرح في رياض الصنع سوائم منظره ومسمعه ، فسقط الخاتم من إصبعه وهو ساه ، وشاهد بزرجمهر هذا الأمر فما أبداه ولا أنهاه ، فالتقمته بطة وغطت في الماء غطة ، وكان فيه فص ثمين وكسرى به من المغرمين . فلما سود قلم الاقتدار بياض النهار ، وأكمل مشقه على قرطاس الأقطار ، أذن كسرى للوزير بالانصراف ، وقد أسبغ عليه خلع الإنعام والإسعاف ، ودخل كسرى إلى الحرم وافتقد من إصبعه الخاتم ، فلم يتذكر ما جرى له ولا وقف على كيفية هذه الحالة ، فأرسل بطلب الوزير البارع وسأل منه على خاتمه الصائغ ، وكان الوزير قد نظر في الطالع ، فرأى أن الكلام في أمر الخاتم غير نافع ، فلو تكلم بصورة الواقع ذبح جميع البط وما وجد لأن الطالع مانع ، فكتم أمره وكلمه بكلام الحقيقة : الحد ؛ جامع مانع ، ثم انصرف وذهب واستمر كسرى على الطلب .

--> ( 1 ) تلهو وتقفز في الماء .