أحمد بن محمد ابن عربشاه
24
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
أحد ، قال الله تعالى ، وجل ثناؤه جلالا وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 20 ، 21 ] . وقال تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ [ فصلت : 53 ] . وقال عز من قائل في كلامه الطائل إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ البقرة : 164 ] . وقال الشاعر : ففي كلّ شيء له آية * تدل على أنّه واحد لكن لما كثرت هذه الآيات والحكم وانتشرت أزهار رياضها في وهاد العقول والآكام « 1 » ، وترادف ما فيها من العجائب والعبر ، وتكرر ورود مراسيمها على رعايا السمع والبصر ، وعادتها النفوس ، ولم يكترث بوقوعها القلب الشموس ، ولم يستهجن « 2 » من وجودها ، ولم يلتفتن إلى جدودها ؛ فكثرت في ذلك أقوال الحكماء وتكررت مقالات العلماء ، فلم تصغ الأسماع إليها ولا عولت الأفكار عليها . فقصد طائفة من الأذكياء وجماعة من حكماء العلماء ، ممن يعلم طرق المسالك إبراز شيء من ذلك على ألسنة الوحوش ، وسكان الجبال والعروش ، وما هو غير مألوف الطباع من البهائم والسباع ، وأصناف الأطيار وحيتان
--> ( 1 ) الوهد : الأرض المنخفضة . والآكام ، جمع الجمع ، المفرد أكم : الموضع الذي يكون أكثر ارتفاعا . والمعنى : يعرفه أقل الناس عقلا ، فيما فوق . ( 2 ) أي لم يعب ويستقبح وجودها .