أحمد بن محمد ابن عربشاه
237
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
يا كبير : هفوة ، وتقصير ، وخيانة ، ومكروه . وحرروا ذلك وضبطوه ، وذكروا لكل جزاء قروره ؛ فجزاء الهفوة العتاب وبه نطق الكتاب . وجزاء التقصير الملامة على ما أورث من ندامة . وجزاء الخيانة العقوبة ، فإن في ارتكابها للعاقل صعوبة وأعظم بعقابها مثوبة ، وما يرتكب المكروه إلا الغافل المعتوه ، وجزاؤه أيضا بمثله وهذا على مقتضى العقل وعدله . والذي صدر في سابق القدر من المخلص أبى نوفل إنما هي هفوة بها زلّ ، وجزاؤه على هذا الحساب إنما هو العقاب وقد استوفاه ، وزيادة وفي هذا لمولانا الملك الإرادة ، فإن شاء عاقب على الذنب الصغير ، وإن شاء عفا عن الجرم الكبير ، والهفوة لا يكاد يسلم منها الخواص ؛ فضلا عمن هو في شرك العبودية والاقتناص ، ولآن يؤثر الفضل عن الملك وعلى طريق عفوه يسلك الدرب المستلك ، خير من أن يؤثر عنه لنفسه الانتقام ويخلد ذلك على صفحات الأيام ، ولا شك أن سيرة العفو والفضل أفضل من القصاص والعدل ، وذلك هو اللائق بالحشمة ، والأوثق للحرمة ، والأجدر لناموس السلطنة ، والأبقى على ممر الدهور والأزمنة . وقد قال سيد المرسلين وحبيب العالمين : « ينادى مناد يوم القيامة من كان له عند الله يد فليقم فلا يقوم إلا من عفا » « 1 » . وقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله » « 2 » . ولقد كان جماعة من عظماء الملوك والأكابر يبحثون عمن تعاطى
--> ( 1 ) الحديث ذكره المتقى الهندي في كتاب كنز العمال ( 7024 ) وعزاه للحاكم في المستدرك . ( 2 ) الحديث أخرجه الإمام مسلم : كتاب البر والصلة ، باب استحباب العفو والتواضع ( 70 ) بلفظ : « ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد إلا رفعه » .