أحمد بن محمد ابن عربشاه

221

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

من الغير . الثالثة : أن يرى أنه انتهى في فنون العلم والنّهى « 1 » وبلغ أعلى المراتب ، وهذا أكبر المعايب . وقالت الحكماء : إذا رأيت نفسك عارية عن العيوب ، وتصديت لتتبع عثرات الناس بالغيوب ، وفتشت عن عيوبهم الجيوب ؛ فأنت حينئذ غارق في بحر العيوب وبالذي أنت طالبه مطلوب . وانظر يا ذا السكينة ما ذا قاله الإمام مالك رضى الله تعالى عنه حبر المدينة ؛ ليكن جل مطلوبك حرصك على تفقد عيوبك ، وقم بذلك عن نفسك وذاتك مقام حسادك ورقبائك وعداتك ، وقال ذو هدى وما قال سدى : لكلّ فتى خرج من العيب ممتلئ * على كتفه منه ومن أهل دهره فعين عيوب النّاس نصب عيونه * وعين عيوب النفس من خلف ظهره فقال أبو نوفل : صدقت ونصحت إذا نطقت فجزاك الله عنى خيرا ، ووقاك شرا وضيرا ؛ ولكن يا اخى وقعت هفوة على سبيل السهوة ، وحصلت زلة على غفلة ، واللفظ عن غير نظر كالسهم إذا رمى عن الوتر لا يمكن رده ولا وقوفه وصده كما قيل : القول كاللبن المحلوب ليس له * رد وكيف يرد الحالب اللبنا ولكن الذنب والاجتراء إذا لم يشتهرا لا يتوجه عليهما العتاب ، ولا يستحق مرتكبهما العقاب إذا استغفر وأناب ، وأنا وإن وقع منى الخطا آمن بحمد الله من شر الجزا ومن المؤاخذة بالجريمة ، وإن كانت عاقبتها وخيمة ؛ لأنها بينك وبيني ، وأنت بمنزلة روحي وعيني ورفيقي وصاحبي ومراعى حقي وجانبي ، فسرّى عندك مصون وأمرى عن الإشاعة مخزون . وقد قال الحكماء ذوو التجارب : لا تودع السر إلا عند صاحب صدوق صديق ،

--> ( 1 ) العقل .