أحمد بن محمد ابن عربشاه

219

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

من جراءته وفتكه « 1 » ، ثم استمر متناوما لينظر ما يصدر منهما ، فابتدره أخو نهشل وزجره . فقال : ويلك ما ذا رأيت وأي عجب سمعت ووعيت حتى ترتبك في الضحك ، أما قرأت وفهمت وسمعت وعلمت أن الضحك بلا سبب من قلة الأدب ، وإن الحشم وسائر الخدم ، ومن نادم الملوك وجالسهم يحترم أمورهم ، وبعظم مجالسهم سواء غابوا أو حضروا ، ناموا ، أو سهروا ، قاموا ، أو قعدوا ، استيقظوا ، أو رقدوا ، وقد قيل : رفع قلم الحساب والضبط والعتاب عن الصبى والمجنون والعاشق والمفتون ، وكذلك السكران والنائم ؛ لا سيما السهران ، وعذر النائم يا مسكين أعظم من عذر الباقين ، فإن النوم أخو الموت وفيه ما ليس في غيره من الفوت ، وقد قال صاحب الشرع : الذي زكا منه الأصل والفرع حفظه الله بجنود الصلاة والسلام وحرسه : « يعتذر عن النائم العين وكاء السه » « 2 » . وقال ذو الصدق والتصديق : « رفع قلم التكليف عن النائم حتى يفيق » « 3 » . وإنما اعتبر الشرع أحوال النيام وساواهم باليقظى ؛ صونا لبعض الأحكام في نحو من خمس وعشرين مسألة ضبطها من الفقهاء الكملة ولقد طالعت في كتاب الأخلاق « 4 » أن الله الكريم الخلاق حيث جعل جنسا من الأمم في طبائع وصفات متساوي القدم ، فلا يعتب أحد أحدا ولا يزدريه ولا ينقم عليه عيبا هو فيه ؛ وعلى الخصوص إذا صدر من الملوك شيء يعاب فلا

--> ( 1 ) جرأته . ( 2 ) وهو معنى حديث : « وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ » . جعل اليقظة للاست كالوكاء للقربة ، وهو الخيط الذي يشد به فوها ، والسه : الاست أصلها سته . ( 3 ) معنى حديث أخرجه الترمذي : كتاب الحدود ، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد ( 1423 ) . ولم ترد فيه لفظة ( يفيق ) وبل ( يستيقظ ) وأتى بها المؤلف للسجع . ( 4 ) أي سنن الله في خلقه .