أحمد بن محمد ابن عربشاه

179

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فقال الوزراء ؛ بعد أن اتفقت الآراء كلمة واحدة متفقة متعاضدة : نعم ما رأى مولانا الرئيس صاحب التدليس وإسناد التلبيس ، وأنجب أولاد إبليس ونحن أيضا يا باقعة نخشى عاقبة هذه الواقعة ، ولقد جرى مثل هذا المجرى بين بزرجمهر ومخدومه كسرى في قضية فاق فيها الوزير مخدومه الكبير ، فسأل العفريت وزراءه عن بيان ذلك الشأن كيف كان . [ 30 ] [ بزرجمهر ومخدومه كسرى : ] فقالوا : بلغنا أيها الخناس الملقى الوسواس في صدور ؛ الناس أن بزرجمهر الوزير ، وكان ذا علم غزير ورأى وتدبير وبديهة جواب تفحم الكد والتفكير ، وكان حكيم زمانه وعليم أوانه ، وممن فاق في الفضل والحكم سائر أترابه وأقرانه ، وكان مقربا عند مخدومه يزيد في كل وقت في تكريمه وتعظيمه وتوقيره وتفخيمه ، ويصغى إلى نصائحه ، ويعد قربه من أعظم مناجحه ، ويصبر على كلامه الصادع ، ووعظه القارع ، ونصحه الفادع « 1 » . لما فيه من الفوائد والمنافع والحكم والبدائع ، وقد قيل : من أحبك نهاك ومن أبغضك أغواك . فكان الوزير يبادر قبل سائر الخدم في وظائف الخدم ، ويعجل من الليل والظلم حتى كأنه يوافق النجم أو يسابقه في الرجم ، ومع ذلك كل يوم يجد مخدومه راقدا في النوم فيقرعه بالغفلة ، وينقم عليه هذه الفعلة ويعلن بالنداء وينادى في الملأ فيقول : أفق يا محجوب وتيقظ حتى تظفر بالمطلوب فمن باكر نجح ، ومن غلس « 2 » المطلوب أفلح ، ومن تخلف في النوم سبقه إلى المنزل القوم وفاته المطلوب ولا يدرك المحبوب ، واترك لذة الكرى « 3 » فعند الصباح يحمد القوم السرى « 4 » ، وكان كسرى يجد لهذا الكلام أنواعا من الآلام ؛ لأنه كان يطيل السهر إلى وقت السحر عاكفا على

--> ( 1 ) قوى التأثير . ( 2 ) أي من بكر إلى مطلوبه من الليل ولم ينتظر إلى الصباح . ( 3 ) النوم . ( 4 ) المشي ليلا .