أحمد بن محمد ابن عربشاه

175

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وذهبت وسلكت طريقها وانقلبت وأنشدت فأرشدت : أبعين مفتقر إليك نظرتنى * فحقرتنى وقذفتنى من خالق لست الملوم أنا الملوم لأنّني * أنزلت أمالي بغير الخالق ثم غاصت في بحر الفكر ، وتشبثت بأذيال المكر ، واستعرضت على مرآة أفكارها وجوه الحيل واستورت من زناد آرائها شرر النظر في الجدل ، وأخذت تطوف في أكناف البستان ، فعثرت في طوافها على ذلك الأفعوان نائما تحت وردة متطوّقا في أهنى رقدة ، فرقت غصنا من الأغصان ، فلاح لها الباغيان قد سقى البستان وهو تعبان متكئا في الرياض على مسكبه ربحان ، فاغتنمت الفرصة ونزلت إليه وقربت منه ودارت حواليه ، ثم وثبت على وجهه وكان نائما فانتهض مرعوبا قائما فذهبت واختفت وبذا القدر اكتفت ، فرجع ونام وغرق في المنام ، فدخلت في قميصه ورقصت ، فاستيقظ متعجبا منزعجا فرآها فهربت ونكصت ، ثم عاد واتكأ بعد ما غضب وانتكى ، فوثبت على وجهه وأدخلت ذنبها في أنفه ، فنهض مستيقظا مجدّا فرآها واقفة لا تتعدى فقصدها فهربت ، ثم رجع فآبت وأتت فنام في مسنده فقربت منه وعضته في يده فأنكته وآلمته وأوهجته بما أضرمته ، فطفر من مرقده وأخذ غصنا بيده وقصدها وقد ذاق نكدها ، فهربت غير بعيد ، فرأى وجهها من جديد فتبعها فمشت ثم وقفت وارتعشت تطمعه في صيدها وهو غافل عن كيدها فتبعها وهي قائدة ، حتى انتهت به إلى الحية الراقدة ، فعند ما رأى الثعبان نسي أفعال بنت الجرذان فقتل تلك الأفعى ولم يخب للفأرة مسعى . وإنما أوردت هذه الحكاية ؛ لتقفو منها على طريق النكاية ، وليعلم الضعيف إذا كان له أعداء كيف يوقعهم في مصايد الردى ، وإذا استعمل اللبيب العقل المصيب والفكر النجيب وساعده في ذلك قضاء وقدر ؛ نال ما أمل ، وأمن ما حذر ، وأفلح أمره ونجح فكره ، وهذا إذا كان الضعيف