أحمد بن محمد ابن عربشاه
158
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فقال : رمح البغل بسيدى فما تمالك أن تهالك ، وسلم الروح لخالقها ، وقال لوارثه تسلم مالك ، فأقيم العزاء والسخام « 1 » وتركهم وأتى للحمام ، وهو يبكى وينوح ويصرخ فسأله مولاه ما دهاه ؟ فقال : وقع البيت على كل من أويت ، ولم يبق في الدار نافخ نار ، فهلك الكبير والصغير ونهب ما فيها من جليل فيها وحقير ، فخرج وهو يستغيث من حديث ذلك الخبيث ، فوجد أهل البيت سالمين ورأوه من الناجين فعزم على خباطه « 2 » ؛ فذكر له ما سلف من اشتراطه . ثم إنه استقام ونسي هذا الكلام ومضى عليه عام . فاستأنف ذلك الخبيث أمره العبيث ، وقال لامرأة مولاه : يا هنتاه إن كنت نائمة فاستيقظى وخذي حذرك وتيقظى ، واعلمى أن نية صاحبك أن يلقى حبلك على غاربك « 3 » ؛ لأنه قد عشق عليك ونبذ حبل حلك إليك وتعلق قلبه ببنت رجل كبير ولا ينبئك مثل خبير وقد حملني على نصيحتك الشفقة وما أسديت إلىّ من إحسان وصدقة ، فبادرى قبل حلول البأس ونزول الفأس في الرأس . فأثر فيها هذا الحديث فاستشارت ما تفعله ذلك الخبيث . فقال : لو ظفرت بشئ من شعره لكفيتك مئونة مكره وفكره ، فإن لي صاحبا منجما وأستاذا معلما يرقى الشعور ويجعلها في النحور ، وإذا وجد إلى خيشومه مساغه ودخل البخور دماغه ، صار عبدا لك على الدوام ، وحظيت عنده بالمراد والمرام وارتقيت إلى أعلى مقام ؛ ولكن ينبغي أن يكون من شعر لحيته النابت على ترقوته .
--> ( 1 ) السخام : السواد . المعنى إقامة الحداد ولبس السواد . ( 2 ) إذائه وضربه . ( 3 ) الغارب : ما بين العنق ، السنام في الناقة ، وألقى حبل الناقة على غاربها ، أي ترك لها حرية الحركة ، وهو مثل يضرب لمن يترك الأمر ولا يتدخل فيه .