أحمد بن محمد ابن عربشاه

155

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فإن تلامذته كثيرة وطوائف جماعته غزيرة ؛ فينتظم لهم بعده الأمر ولا يضرم لنا من كيدنا الجمر ، وإذا علموا أن ذلك منا واشتهر ذلك الكيد عنا ؛ أخذوا منا حذرهم وصوبوا إلينا عداوتهم ومكرهم . ثم عملوا على استئصالنا واستعدوا لقتالنا ؛ لأنا أهلكنا معتقدهم وهدمنا عمادهم ومعتمدهم ، ولا يمكننا بعد ذلك طلب الملامة والسلامة ، وتستمر العداوة بيننا وبينهم إلى يوم القيامة ، مع أن عداوتنا قديمة . وبالجملة فعاقبة من عادى أولياء الله وخيمة إذا تقرر هذا القول وثبت بطريق المعقول . فاعلم أيها الغول والشيطان المهول أن الرأي الصواب في هذا المصاب ؛ أن نبادر إلى هذا الرجل وجماعته بإفساد طاعتهم وطاعته ، وحيث لا يتيسر لنا المواجهة ولا الخطاب والمشافهة ، ولا الإضلال في الظاهر بصورة المتجاهر ، فنزين لهم حب الدنيا وشهواتها والميل إلى زينتها ولذاتها والركون ، إليها والاعتماد عليها ، ونلقى إليهم طول الأمل وبعد الأجل ؛ فنثبطهم « 1 » بذلك عن العمل وندعوهم إلى التهاون والكسل . ثم بعد ذلك نجلو خدود عرائس الحرص على أبصار أفكارهم ، وقدود موائس الشّح « 2 » ، وحب المال على أعين خيالاتهم وبصائر أسرارهم ، فإذا ذاقت ألسنة عقولهم حب الدنيا وتمكنت في أدمغة سويدائهم الرغبة في الآباء والأبناء ؛ سلبوا حلاوة الطاعة ، وتفرقت منهم الجماعة ، وزاغوا عن الطريق الأقوم ، وراغوا عن السبيل الأمم « 3 » ، فنتوصل إذ ذاك منهم إلى مقاصدنا ونوقعهم كيفما اخترنا في مصايد مراصدنا ؛ لأنهم هبطوا من سماء المنازعة إلى الأرض ، وأهلكوا بأيديهم أنفسهم إذ بغى بعضهم على بعض ، فتحاسدوا ، وتحاشدوا ، وتدابروا ، وتفاخروا ، وتكالبوا ، وتضاربوا ، وتواثبوا ، وتجانبوا ، وتناهبوا ، وتسالبوا ،

--> ( 1 ) نعوقهم ونحبطهم . ( 2 ) موائس ، مفردها مائسة : المرأة الجميلة ، والشح : البخل . المعنى تزيين البخل لهم . ( 3 ) الذي يأتمه الناس ويسلكونه .