أحمد بن محمد ابن عربشاه
147
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
[ 21 ] [ خروج الشيطان من بغداد : ] قال الشيخ أبو المحاسن ؛ من ماء ينابيع علمه في مجارى بدن الفضل غير آسن : فلما أنهى الحكيم حسيب ذو الفضل النسيب ، حكاية ما طرّزه مما نسجه وحاك ، وفصّله خياط تقديره على قامة المجد من خلع حكم العرب والعجم والأتراك ، شكره أخوه القيل على هذا القيل ، وأفاض عليه من نيل نواله جزيل النيل ، وأدرك من ذلك الأنموذج ، علو علمه ، وسمو حلمه ، وجميل حكمه وجليل حكمه ، ثم قال : يا أستاذ بلغني أن بغداد خرج منها خارج من نار من مارج « 1 » وهبط إلى مدارك الخزي عن المعارج ؛ وأصل ذلك المشوم من عفريت خلق من نار السموم ، وإن شخص ذلك الشيطان جبل من سخام الدخان « 2 » ؛ فلهذا ركب وجهه السواد وتركب سائر جسده من الرماد ، فهو جنى ذميم ، وشيطان رجيم ، وقد شرع ذلك الخناس في الإفساد والوسواس ، وتعاطى إيذاء أكابر الناس وأنه في هذه الأيام نفى إلى بلاد الشام فلم يوافقه ذلك المقام ؛ لأنه مهاجر الأنبياء الكرام ، وهذا مجبول على سجايا اللئام ، وطباع أهل الفساد والإجرام . فأقام فيها بالاضطرار والاضطرام مدة أشهر وعدة أعوام ، وأخذ في الإضلال والتضليل ، فأضل خلقا كثيرا عن سواء السبيل ، وتستر ذلك الجان بحجاب الانتساب إلى جنس الإنسان ، ولبس بشق العصا ثوب العصيان ، فكمن كمون الشوك تحت ورق الورد والريحان ، واحتمى في حمى الشقاق والنفاق بشقائق النعمان « 3 » ، والحق أنه من نسل العفاريت ، وكان عند الجن مقيله والمبيت ، ومن ألبانهم له غذاء وتربيت . فقال له الملك : هديت ووقيت فإن يكن عندك من ذلك شيء ، فشنّف من جواهر حكمه أذني ، فإنك حكيم الجن والإنس ، وكريم النوع والجنس .
--> ( 1 ) خالص النار . ( 2 ) الدخان الأسود . ( 3 ) شقائق النعمان : أحد أنواع الزهور .