أحمد بن محمد ابن عربشاه

117

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

يومه وغده ، وشرح في مناه متن اللهو ، وقرر بحديث من كتاب فقه الزهو ، باب الأنجاس وسجود السهو ، واجتمع عليه قرناء السوء وحضروا ، وخلا له ولهم الجوّ فباضوا في الفساد وسفروا « 1 » ، وغابوا عن الرشاد وما حضروا ، وصاروا يعظمونه ويكرمونه ويحترمونه ، فإذا كذب صدقوه ، وإذا ضرط سمّتوه وشمّتوه « 2 » ، وإذا نهق طربوا ، وإذا أخطأ صوبوا ، وإذا قعد قاموا ، وإذا قام ناموا ؛ يفدونه بالمهج « 3 » والأرواح ، ويلازمون خدمته في المساء والصباح . وكان له أم مدبرة عاقلة مفكرة ، فقالت له : يا بنى لا تكن صبي وتذكر وصايا أبيك ، وإياك ومن يليك ، وتأمل ما لديك ، واحفظ مالك وما عليك ، ودبر معاشك ، وصن وجهك ورياشك . واعلم أن أصحابك وعشراءك وأحبابك وندماءك ورفقاءك وأخصّاك وأصدقاءك ، كلهم عبيد البطن ولورقات بذى شيق « 4 » أو حصن لا خير عندهم ولا مير « 5 » ، وجميعهم كسير وعوير « 6 » ، فإياك وصحبة من لا يتولاك ، لا تركن إلى صداقتهم ولا تعتمد على موافقتهم ، فإنهم في الرخاء يأكلونك وفي البلاء يتركونك ، وإلى مخالب القضاء يسلمونك ؛ رأس مال محبتهم ما في يديك ؛ وأساس بنيات مودتهم ما يرونه من النعماء عليك ، فإن قلت والعياذ باللّه فلّوا « 7 » وخلوك في عقد النوائب مربوطا وانحلوا . وأقل الأقسام يا ذا الأصل السام ، أن تجرب أصحابك وتختبر من يلازم بابك ، ويقبل بشفاه المودة أعتابك في شيء نابك ، أعجز عن حمله نابك من حوادث القضاء أو في حالة من أحوال الغضب

--> ( 1 ) أي غلب عليهم الانحلال وتمكن منهم الفساد . ( 2 ) شمت العاطس : دعا له بقوله مثلا : يرحمك الله . ( 3 ) المهج ، مفردها مهجة : دم القلب . ( 4 ) الشيق : الجبل . ( 5 ) المير : الطعام . ولا خير عندهم ولا مير . أي لا عاجل ولا آجل . ( 6 ) الأعور الجبان . ( 7 ) تولوا .